وهذه كلها أقوالٌ باطلة، وهي أقوالٌ مخترعة، وهي أقوالٌ مصدرها زبالة الأذهان لأنها مخالفةٌ لما أجمع عليه السلف، ويكفي هذا الحديث الذي معنا في إبطال هذه الإبداعات، أول واجبٍ على المكلف هو توحيد الله تعالى بإجماع السلف، وهذا النص الذي معنا واضحٌ بَيِّن، وجميع القصص القرآني الوارد في ما دعا فيه الأنبياء المرسلون أقوامهم إنما بدؤوا دعوتهم إلى التوحيد، المراد بالتوحيد {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 32] ما قال: انظروا وتأملوا في الكون حتى تصلوا إلى وجود الرب أصلًا، ثم بعد ذلك تنطلقون إلى قبول ما أمر به أو الانكفاف عما نهى عنه. نعم قد يكون عند بعض الناس من يحتاج إلى نظرٍ لكن النظر الشرعي لا النظر العقلي، بأن ينظر في الكون .. إلى آخره فيستدل به على تقوية ما عنده لكن هذا لا يُجعل قاعدة، وإنما يكون في شأن شخصٍ دون شخصٍ كما يقال: بأن الوضوء الأصل كذا وكذا ومن كان به علةٌ من سلسٍ ونحوه حينئذٍ له أحكامٌ ضرورية تختص به، كذلك هنا الأصل مطرد عند السلف هو أن أولَ واجبٍ هو شهادة أن لا إله إلا الله، التوحيد لكن قد يقع عند بعض الناس نوع مرضٍ ووسواسٍِ ونحو ذلك هذا قد يقال له: انظر في الكون، ثم بعد ذلك استدل به على وجود الرب جل وعلا، وقد قال بذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومن قبله ابن حزمٍ لكنه ليس هو القاعدة المطردة وليس هو مع الأصحاء لأن الفطرة مفطورةٌ أو النفس مفطورةٌ على الإيمان بوجود الله عز وجل، فما قاله إمام الحرمين يتسلسل بعده بالبدع الجزئية هي أمورٌ فطر الله تعالى الخلق عليها، ولذلك نقول: الحق الذي دلّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف ولا خلاف بينهم في هذا هو الإعراض عن هذا كله، لا نقول: المعرفة ولا النظر ولا القصد إلى النظر، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] . وحديث «كل مولودٍ يولد على الفطرة» والفطرة في الآية والحديث هي الإسلام هذا الأصل، الأصل فيه أنهم خلقوا حنفاء كما جاء في الرواية الأخرى ... «واجتالتهم الشياطين» ، فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة التي أوجبها إمام الحرمين وغيرهم أن المعرفة حاصلةٌ بأصل الفطرة، وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص لقوله - صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه وينصرانه» ، وقد سبق في أول الدروس، هل الأصل في بني آدم التوحيد أم الشرك؟ ذكرنا أن الأصل هو التوحيد، وذكرنا هذه الأدلة كما سبق بيانه، وقد وافق أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا، على ما سبق، وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة - يعني: أول واجبٍ هو المعرفة أو النظر أو القصد إلى النظر - هذه من أقوال المعتزلة دخلت على الأشاعرة، والأشاعرة هم مخاليف المعتزلة كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى - يعني: دينهم مأخوذٌ أو ملفق من المعتزلة والجهمية وغيرهم - فثَمَّ مسائل دخيلة على الأشعرية وهي ليست من الأشعرية فحسب على كلٍ اتفقوا على البدعة والضلالة. بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها أن الواجب على كل أحدٍ معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك، وسبق معنا تقرير أنه بإجماع السلف وأنه من دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله وفعله لم يكن يطالب الناس إذا دخلوا في الإسلام بإقامة الأدلة على ما اعتقدوه، وإنما المراد إيجاد التصديق الجازم وكيفما حصل سواءٌ كان عن طريق الأدلة أو لا دخل في الإسلام، ولا يشترط فيه إقامة الأدلة وأن إيمانه فيه تقليد وقد لا يقبل إلى آخره أو أنه مقبولٌ لكن مع الإثم كما عليه كثير من المتكلمين، والصواب أنه صحيح ولا إثم عليه البتة.
نعم، يحتاج إلى تقوية إيمانه بالنظر في الأدلة، والبحث ليس في تقوية الإيمان وإنما البحث هل صح إيمانه أم لا؟
إذا انتقل عن الكفر إلى الإسلام وعرف لا إله إلا الله من حيث المعنى واعتقدها اعتقادًا جازمًا هل أسلم أم لا؟
إذا قلنا: بأنه لا بد من الدليل لم يُسْلم، وهذا باطل.
وإذا قلنا: لا، لا يشترط فيه دليل حينئذٍ نقول: دخل في الإسلام، لكن لا يجزم أن يكون دخوله على وجه الكمال، وإنما ينظر في الأدلة من أجل زيادة الإيمان.