وعن الثاني: ( «فإن هم أطاعوك» ) إن لم يطيعوك عن الثاني فهو مفهوم شرط ومختلفٌ في الاحتجاج به، نازع الأحناف في الاحتجاج بمفهوم الشرط، والصحيح الذي عليه جماهير الأصوليين وغيرهم أنه معتبر أن له مفهومًا {وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ} [الطلاق: 6] إن لم يكن الحكم يختلف، ولذلك ذكر الشوكاني في (( إرشاد الفحول ) )إنه لا ينكره إلا العجمي العجم، وأما العربي الذي مارس لغة العرب فلا يمكن أن ينكر بمفهوم الشرط، حينئذٍ حجته لغوية الحجة هنا من جهة الشرع ومن جهة اللغة، وهنا غير معتبر إذا قلنا: بأنه حجة هل هو معتبر أو لا؟ نقول: لا، ليس معتبر لماذا؟ لأنه عارض منطوقاتٍ أخر، والمفهوم الخاص إذا عارض منطوقًا خاصًا قُدِّمَ المنطوق على المفهوم. واضح؟ إذا عارض المفهومٌ خاص منطوقًا خاصًا حينئذٍ يقدم المنطوق الخاص على المفهوم الخاص، لماذا؟ لأنه لا يمكن الجمع، إذا أمكن الجمع لا إشكال، فإذا رجعنا إلى الترجيح كما هو الشأن مخاطب أو ليس مخاطب هنا لا يمكن الجمع، حينئذٍ نقول: لا، هو مخاطب والمنطوقات الواردة {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] .. إلى آخره نقول: هذه منطوقات خاصة وهي مقدمةٌ على هذا المفهوم، حينئذٍ يكون هذا المفهوم غير معتبر، وإذا كان المفهوم غير معتبر حينئذٍ لا يصلح الاستدلال به. وأقول: هنا مفهومٌ خاص عارض منطوقًا خاصًا بخلاف ما إذا عارض منطوقًا عامًا، فحينئذٍ يكون مخصصًا له كما سبق معنا في حديث ابن عمر القلتين: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» أو «إذا بلغ الماء قلتين» مع حديث أبي سعيد: «إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء» . هذا عام وهذا مفهومٌ خاص، بعضهم يرى أنه يقدم المنطوق مطلقًا لقوته على المفهوم الخاص، وهذا ضعيف، هذا مسلكٌ ضعيف، لماذا؟ لأنك تثبت أن المفهوم الخاص دليلٌ شرعي تثبت به الأحكام، يعني تصور أن المنطوق لم يعارض هذا المفهوم الخاص، هل تثبت به أحكامًا شرعية أو لا؟ وهو دليلٌ شرعي إذا كان دليلًا شرعيًا وتثبت به الأحكام الشرعية عند عدم التعارض كذلك حجيته وشرعيته باقيةٌ عند التعارض، حينئذٍ نسلك ماذا؟ نسلك الجمع أو الترجيح، فإذا أمكن الجمع حينئذٍ صير إليه، وإذا لم يمكن الجمع حينئذٍ نقول: المنطوق مقدم على المفهوم لقوته، ولا شك أن النص الذي ينطق به النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيان حكمٍ هذا مقدم على الشيء الذي يُستنبط ويفهم، هذا واضحٌ بَيِّن، فالنص أو النطق مقدمٌ على المفهوم، هذا إذا كان خاصًا مع خاص، وأما في المثال الذي ذكرناه نقول: حديث أبي سعيد «إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء» . عام، ومفهوم حديث ابن عمر خاص ولا تعارض بينهما، حينئذٍ نقول حديث أبي سعيد مخصوصٌ بمفهوم حديث ابن عمر فيخص فنقول: ما دون القلتين ينجس بمجرد الملاقاة، لماذا؟ جمعًا بين الأدلة، لأن هذا دليل شرعي كيف تسقطه، بمجرد القوة والتعارض، التعارض لا يستلزم الإسقاط أحد الدليلين، مجرد التعارض لا يلزم منه إسقاط أحد الدليلين، حينئذٍ نقول: لا بد من الجمع.
هنا تعارض مع هذا النص الذي هو مفهومٌ خاص تعارض معه منطوقات أخرى وهي خاصة وسبق معنا: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ} [الفرقان: 68، 69] ، {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} ما ... هو؟ {لا يَدْعُونَ} يدعون. {لا يَقْتُلُونَ} يقتلون {لا يَزْنُونَ} يزنون ذكر ثلاثة أشياء شرك ومعصيتين قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي المذكور كله ولا تخصه بالشرك فقط لأنه مشار إليه مجموع ما ذكر {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ} إذًا المضاعفة عن أي شيء هنا على الشرك نفسه له عذابٌ خاص، وعدم امتثال النهي عن القتل له عذابٌ خاص، وكذلك الزنا عذابٌ خاص، فإذا لم يمتثل بترك هذه المنهيات {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} فالشرك ذنبٌ ومعصية ولها عذابها الخاص وكل كبيرةٍ من الكبائر فهي معصيةٌ وذنب ولها عذابٌ خاص {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} حينئذٍ نقول: دلّ هذا النص على أن الكافر يؤاخذ في الآخرة بتركه للواجبات وكذلك بفعله للمنهيات، وسائر النصوص الدالة على هذا الأمر مقدمةٌ على هذا المفهوم.