وعن الثاني هو مفهوم شرطٍ مختلفٌ الاحتجاج به، والصحيح أنه حجة خلافًا للأحناف وهنا غير معتبر لمخالفته لمنطوقاتٍ كثيرةٍ صريحة، بل هي نصٌ في المسألة بل حكي الإجماع عليها.
قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» ) استُدل به على أن الوتر ليس بفرضٍ، لأنه لو كان الوتر فرضًا وكان كل يومٍ لأنه مشروع في كل ليلة لصارت الفرائض كم؟ ستة، وهذا النص دل على أن الفرائض خمسة - يعني الفرائض التي تكون في اليوم والليلة - لا تزيد على خمس فرائض، حينئذٍ نقول: هذا الحديث يدل على أن من زاد سادسةً وهي الوتر قد أحدث قولًا مخالف للنص وفيه أن الصلاة أعظم واجبٍ بعد الشهادتين فهي أعظم الواجبات بعد التوحيد والإقرار بالرسالة، والمراد هنا: أعلمه بأنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدين، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام - يعني: هم مخاطبون بالصلاة كما أنهم مخاطبون بالزكاة ومخاطبون كذلك بالتوحيد - وإنما جاء الترتيب من أجل ماذا؟ بيان أولوية الدعوة، ما الذي يدعى إليه؟ وأما كونهم مخاطبين بهذه كلها هذا لا إشكال فيه مأخوذٌ من نصٍ آخر، لكن إذا جيء في الدعوة أو بيان أمور الدعوة تخاطبهم بما هو أوجب الواجبات وهو التوحيد، ثم بعد ذلك إذا أسلموا حينئذٍ الصلاة لا تصح إلا بالإسلام، هي شرطٌ من شروط صحة الصلاة فحينئذٍ نأتي بالذي بعده وهو الصلاة، ثم بعد ذلك الزكاة فالترتيب هنا ترتيبٌ أولويٌ في مقام الدعوة وليس في مقام الواجبات، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام ولا يلزم من ذلك أن لا يكون مخاطبين بها، ويزاد في عذابه بسببها في الآخرة كما ذكرنا سابقًا.