قوله: ( «واتق دعوة المظلوم» ) هذا الحديث فيه فوائد كثيرة جدًا من حيث الأحكام لكن ليس محله هنا ( «واتق دعوة المظلوم» ) أي احذر دعوة المظلوم واجعل بينك وبينها وقاية بفعل العدل وترك الظلم، ( «واتق دعوة المظلوم» ) المظلوم [يقابله] الظلم يقابله العدل إذًا لا يكون تركه الدعوة هنا أو مجانبة الدعوة دعوة المظلوم إلا بإقامة العدل بفعل العدل وترك الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم.
وفيه تنبيهٌ على المنع من جميع أنواع الظلم لأنه قال: المظلوم بأي شيء؟ أطلق هنا فإذا أطلق حينئذٍ صار عامًا، وفيه تنبيهٌ على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلمٌ ( «فإياك وكرائِمَ أموالهم» ) . ثم قال: ( «واتق دعوة المظلوم» ) لِمَ ذكر هذه الجملة بعد إياك بعد التحذير، لماذا؟ لأنه لو أخذ كرائم أموالهم ظلمهم، وإذا ظلمهم دعوا عليهم. إذًا ( «واتق دعوة المظلوم» ) ، ... ( «فإياك» ) هذا صيغة تحذير ويفيد التحريم عند الأصوليين. وقال بعضهم: عطف ( «واتق» ) على عامل إياك المحذوف وجوبًا ( «فإياك وكرائِمَ أموالهم» ) . قلنا: إياك، وإياك هنا ( «وكرائِمَ» ) منصوبٌ بفعلٍ محذوف، ( «واتق» ) هذا معطوفٌ عليه، وفهمنا من هذا العطف أن أخذ كرائم الأموال ظلمٌ، حينئذٍ يترتب عليه دعوة المظلوم ( «واتق دعوة المظلوم» ) ، حينئذٍ جاء العطف على بابه لأن الأصل في الواو أنها تفيد التشريك شركت ماذا بماذا هنا؟ شركت أن أخذ المال كالكرائم هذا ظلمٌ حينئذٍ ( «اتق دعوة المظلوم» ) لأنه لا بد من مناسبةٍ بين المعطوف والمعطوف عليه، سواءٌ كان في المفردات أو في الجمل، فالتقدير اتق نفسك أن تتعرض للكرائم وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلمٌ ولكنه عمم إشارة إلى التحرز عن مطلقًا عمم ماذا؟
المظلوم، ولم يبين ظلم بأي شيء، ظلم بأخذ الكرائم وبغيرها، والنص عام.
قوله: ( «فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» ) الفاء للتعليل كذلك إن ( «فإنه» ) الفاء للتعليل و ( «إن» ) إذا جاءت بعد النهي وبعد الأمر تفيد التعليل، من مسالك التعليل عن الأصوليين إن واختلف في أن، إن واضحة بينة بعد الأمر وبعد النهي حينئذٍ نقول: هذه أفادت التعليل من جهتين هنا: الفاء، وإن.
والضمير ( «فإنه» ) هذا ضمير القصة والشأن، فإن ( «فإنه» ) أي الشأن ( «ليس بينها وبين الله حجاب» ) يعني: ليس بين دعوة المظلوم وبين الله تعالى مجيب الدعاء حجابٌ. أي لا تحجب عن الله تعالى بل ترفع إليه فيقبلها، وإن كان عاصيًا كان المظلوم عاصيًا كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد مرفوعًا «دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه» . قال الحافظ: إسناده حسن. وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: هذا وإن كان مطلقًا فهو مقيدٌ بالحديث الآخر ... ( «واتق دعوة المظلوم» ) بمعنى أنه مجابة، ظاهر النص أنها مجابة كل مظلومٍ دعا أجيبت دعوته، لكن قال أبو بكر بن العربي: إن هذا وإن كان مطلقًا في ظاهره فهو مقيدٌ بالحديث الآخر: أن الداعي على ثلاثة مراتب:
1 -إما أن يعجل له ما طلب.
2 -وإما أن يُدخر له أفضل منه.
3 -وإما أن يدفع عنه من السوء مثله.
وهذا كما قُيد مطلق قوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] ظاهره أنه مطلقًا، جاء قوله تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء} [الأنعام: 41] إذًا مقيدٌ بالمشيئة، قد يدعو وهو مضطر ولا يجابون، ولا يجاب أو تجاب دعوته، لم يقع في هذا الحديث بعد أن ذكرنا ما سبق لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج وإنما ذكر الشهادتين وذكر الصلاة والصوم، ومعلومٌ أن أركان الإسلام خمسة، ومعلومٌ أن بعث معاذ كان في آخر الأمر ولذلك لم يعد إلا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذًا الحج قد فرض والصيام من بابٍ أولى، فلِمَ لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث؟
لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر كما تقدم، فأشكل ذلك على كثيرٍ من العلماء. وأجاب ابن الصلاح رحمه الله تعالى: بأن ذلك تقصيرٌ من بعض الرواة. يعني: بعض الرواة قَصَّرَ يعني قالها النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لم يروها ذلك الراوي لم ينشط.