وخلاصة الجواب: أن فيه تعيين من النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما الإطلاق العام هذا يعلمه الصحابة أن كل مؤمنٍ يحبه الله ورسوله، لكن كونه يشهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمحبة الخاصة بأن الله تعالى يحبه، إذًا يتطلع الكل إلى ذلك، وعلى قول ابن حزم رحمه الله تعالى وهو ظاهر الأدلة أن الصحابة كلهم من أهل الجنة، حينئذٍ صار هذا من باب التأكيد، فلماذا تَمَنَّى بعض الصحابة أن يكون له ذلك؟ قيل الجواب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن في ذلك شهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعليٍّ بإيمانه باطنًا وظاهرًا. فقوله: ( «رجلًا يحب الله ورسوله» ) . حقًّا ظاهرًا وباطنًا ليست دعوى، ليس بدعوى، وإذا كان كذلك حينئذٍ تحقق بالإسلام باطنًا وظاهرًا، وتحقق بالإيمان باطنًا وظاهرًا، وهذه تزكية كل إنسان إذا ادَّعَى الإسلام والإيمان يخشى على نفسه النفاق، أليس كذلك؟ وهو اختلاف الظاهر والباطن، فإذا جاءت التزكية من ... النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن باطنه وظاهره سواء حينئذٍ [صار فيه شيء من] صار فيه شرف للمُزَكَّى، أن في ذلك شهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعليٍّ بإيمانه باطنًا وظاهرًا وإثباتًا لموالاته لله تعالى ورسوله ( «يحب الله ورسوله» ) ، إذًا صدقًا، ووجوب موالاة المؤمنين له، إذًا تعين موالاة المؤمنين له لأنه ممن ثبت عينًا بأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وإذا شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعينٍ بشهادةٍ أو دعا له بدعاءٍ أحب كثير من الناس أن يكون له مثلُ تلك الشهادة ومثل ذلك الدعاء، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشهد بذلك لخلقٍ كثير ويدعو به لخلقٍ كثير وكان تعينه لذلك الْمُعَيَّن من أعظم فضائله ومناقبه، فإذا عَيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - زيدًا من الناس بأنه في الجنة، أو أنه مات شهيدًا، أو أن الله يحبه ونحو ذلك كان من أعظم فضائله، وإن شاركه غيره على جهة الظنّ، لكن هذا من جهة القطع، وفرق بين أن نقول: يدخل هذا الفرد تحت القاعدة قطعًا. وبين أن نقول: يدخل هذا الفرد تحت القاعدة ظنًّا. فرق بين المسألتين، وهذه المسألة مثلها مثل ما سبق معنا مرارًا.
واجزم بإدخال ذوات السببِ ... وأرو عن الإمام ظنًّا تصب
إذا جاء النص لسببٍ ما واللفظ عام حينئذٍ دخل فيه الفرد الذي هو السبب غيره إلا أن دخول الفرد الذي هو سببٌ قطعي وغيره يكون ظنيًّا، وينبني على أنه لا يجوز تخصيص السبب البتة.
واجزم بإدخال ذوات السبب
إذًا، وكان تعينه لذلك المعين من أعظم فضائله ومناقبه، وهذا كالشهادة بالجنة لثابت بن قيس، وعبد الله بن سَلام وغيرهما، وإن كان قد شَهِدَ بالجنة لآخرين، والشهادة بمحبة الله ورسوله للذي ضُرِبَ في الخمر، أليس كذلك؟ هذا تعيين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا عَيَّن عليه الصلاة والسلام بذلك دل على أن الظاهر والباطن مقطوعٌ به، لأن الظاهر مدرك بالحس تقطع به تراه يجاهد وتراه يصلي وتراه يزكي ويصوم معك تقطع بظاهره، لكن باطنه؟ هذا لا تقطع به، لا تقطع به البتة، لأنه قد يخالف الظاهر الباطن، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا نشهد لأحدٍ بأنه وافق فيه الظاهر والباطن.
وفيه أيضًا حرص الصحابة على الخير كسابقه، قوله: (فقال: «أين عليُّ بن أبي طالب» ) . بترك التنوين، ( «أين عليُّ بن أبي طالب» ) .
عليُّ بن أبي طالب ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وزوج ابنته فاطمة الزهراء، الخليفة الرابع، ومن أسبق السابقين، ومن أهل بدرٍ، وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، في الحديث الذي مرّ ومناقبه مشهورة قتله ابن ملجم في رمضان سنة أربعين من الهجرة.