(فقال) القائل من؟ النبي - صلى الله عليه وسلم -، القائل هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قيل: لماذا قال: ( «أين علي بن أبي طالب» ) ؟ الموضع موضع سِبَاق تنافس الكلّ يري نفسه من أجل أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنت أَنت، فنظر فلم يجد عليًّا فسأل عن علي رضي الله تعالى عنه، لأن الأصل في أهل الخير ومحبي الخير أنه إذا وُجِدَ مثل هذه المواضع أن يكون من السَّبَّاقين فإذا تخلف يُسئل عنه، ( «أين علي بن أبي طالب» ) ؟ قيل: كأنه - صلى الله عليه وسلم - استبعد غيبته عن حضرته في مثل ذلك الموطن، موطن جليل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «غدًا» ) ، ( «أعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» ) . تزكية ثم يتخلف عليّ، هذا فيه شيءٌ من الإشكال إذ النفوس الأبية الذكية تأبى أنه في مثل هذه المواضع أن تتخلف، كأنه - صلى الله عليه وسلم - استبعد غيبته عن حضرته في مثل ذلك الموطن لا سيما وقد قال: ( «لأعطين الراية» ) ... إلى آخره، وقد حضر الناس وكلهم طَمِعَ بأن يكون هو الذي يفوز بذلك الوعد.
وفيه سؤال الإمام عن رعيته وتفقد أحوالهم، وسؤاله عنهم في مجامع الخير لم فات؟ لم غاب؟ .. إلى آخره، (فقال: «أين علي بن أبي طالب» ؟ فقيل: هو يشتكي عينيه) ، (هو) أي علي (يشتكي عينيه) الشكاةُ المرض، والشكوى التوجع من ألمٍ ونحوه، يُقال: شَكَا شَكْوًا وَشَكْوَى. كحُبْلَى، وَشَكَاةٌ تألم مما به من مرضٍ ونحوه، واشتكى أي مرض، اشْتَكَى يَشْتَكِي، يَشْتَكِي من؟ يَشْتَكِي إلى ربه، ولكنه قد يقال بأنه أخبر وهو نوع شكاية لكنه ليس بالمذموم، إذا أراد أن يُخْبَِر دون أن يجعل للمخبَر بهذا الخبر نصيبًا من رفعٍ لهذا الداء، أو تنفيس نفسٍ ونحو ذلك فلا بأس به، وهذا الذي هو مراد هنا ... (يشتكي) يعني أخبر بأن عينيه فيهما مرضٌ، فحينئذٍ لا إشكال فيه. ... (يشتكي عينيه) أي من الرمد، كما في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص فقال: «أدعوا لي عليًّا» . فأتي به أرمد، فأُتي به، يعني بعليٍّ أرمد .. الحديث.
قوله: (قال: «فَأَرْسِلُوا إليه» ) . هكذا فَأَرْسَلُوا إليه، ( «فَأَرْسِلُوا إليه» ) في (( الفتح ) )و (( التيسير ) )بهمزة قطعٍ أمر من الإرسال كأنه ثابت عندهم ( «فأَرْسِلُوا إليه» ) ، يعني أمرهم أن يُرسلوا من يدعوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك قالوا بهمزة قطعٍ أمرٌ من الإرسال، أمرهم بأن يرسلوا إليه فيدعوه لهم.
ولمسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه سلمة بن الأكوع قال: فأرسلني إلى عليٍّ فجئت به أقوده أرمد. أقوده، ولذلك قال: (فأُتِيَ به) . يعني يُقاد، وهنا صرح بذلك فقال: أقوده. وفي (( الفتح ) )في نسخة صحيحة بخط المصنف فأرسَل إليه، بدون واو فأرسَلوا فأرسِلوا يحتمل، بالواو يحتمل أنه فعل ماضي، ويحتمل أنه فعل أمر، فَأرْسِلوا، فَأَرْسَلُوا يحتمل، فأرسل إليه هذا يحتمل وجهين من وجهٍ آخر، فأرسل بالبناء للفاعل، فَأُرْسِلَ إليه، لكن الظاهر كما في الرواية السابقة فَأَرْسَلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تضبط إلا بهذا، وفي نسخة صحيحة بخط المصنف فَأَرْسَل إليه مبني للفاعل، وهو ضمير مستتر، فالفعل راجعٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أن يكون مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله، قلت: والأولى أن يكون مبنيًّا للفاعل لحديث مسلمٍ السابق فأرسلني إلى عليٍّ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو المرسِل.
والرمد: داء التهابي يصيب العين، وعلم الرمد علم طب العيون، هكذا قال في (( المعجم ) )، تسميةً له بالمرض الغالب، علم الرمد علم طب العيون تسميةٌ له بالمرض الغالب، ومنه قيل: الرمديُّ طبيب العيون، يسمى الرمديّ هو يزعل الرمدي يا دكتور، رمديّ هو طبيب العيون قوله: (فأُتِيَ به) . أي يُقاد كما في الرواية السابقة، (به) أي بعليٍّ رضي الله تعالى عنه، ... (فبصَق في عينيه، ودعا له) بصق بفتح الصاد، أي تَفَلَ، (ودعا له) يعني دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لعليٍّ، (فَبَرَأَ) بفتح الراء والهمزة كضَرَبَ، بَرَأَ ضَرَبَ، أي عُوفِيَ في الحال عافيةً كاملة، (فبَرَأَ كأن لم يكن به وجع) من رمدٍ ولا ضعف بصرٍ أصلًا.