فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 2014

( «خير» ) نعم، إذًا هذا من قبيل {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 184] كذلك {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النساء: 25] ، إذًا أن مصدرية و ( «يهدي» ) مدخولها، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر في محل رفع بالابتداء، و ( «خير» ) هذا خبرها، وانظر هنا قال: ( «لأن يهدي الله بك» ) . ما قال: لأن تهدي. ما الفرق؟

إذًا الهداية ليست من فعلك أنت، ( «لأن يهدي الله بك» ) أنت سبب، الهداية المراد بها هنا هداية التوفيق، وليس المراد بها هداية الإرشاد، إذًا الهداية الحاصلة في القلوب إنما هي من فعل الله عز وجل، ولذلك هو أضافها إلى الله عز وجل، ( «لأن يهدي الله بك» ) ، وهذا ينبغي استحضاره دائمًا في الدعوة إلى الله عز وجل، لمن يخطب، ولمن يعلم أنت ما كُلِّفْتَ إلا بإيصال العلم الشرعي إلى الناس، ثم يقبلون لا يقبلون ليس من صنيعك، ليس من شأنك البتة فلا تغضب [لأنه ما يقول] نعم قد يغضب الإنسان لوقوع المنكر مثلًا أن هذا معصية لله عز وجل، لكن له ضوابط وله حدود، لكن الذي نراه من بعض من يدعو أو يُعَلِّم كأنه يغضب من أجل أنه قد خُولف، نقول: لا، ليس الأمر كذلك، لأنك أنت مبلغٌ عن الله عز وجل، أنت وظيفتك وظيفة الأنبياء فتبلغ الناس هذا حلال وهذا حرام وتصبر عليهم، ثم كونهم يقبلون أو لا يقبلون هذا ليس بشأنك البتة، ولو بحثت فيه وطالبت الناس بذلك بناء على كلامك فقد اتصفت بوصفٍ ليس لك، أو ادَّعَيْتَ وصفًا ليس لك البتة، فيخشى عليك، إذًا أن مصدرية واللام قبلها مفتوحة لأنها لام القسم، فقد قال: ( «فوا لله» ) . وأن وما بعدها في تأويل مصدر في محل رفع على أنه مبتدأ خبره ( «خيرٌ» ) ، و ( «حُمْر» ) بضم فسكون جمع أَحْمَر من اللون، و ( «النَّعَم» ) بفتح النون والعين، أي خيرٌ لك من الإبل الحمر، يعني الحمراء، وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاست الشيء، إذًا أغلى ما يمكن، يعني كأنه يقال في مثل هذا الزمن: خيرٌ لك من المليارات. مثلًا وأنا لا أحفظ ما هو أعلى منها، فإن وجد حينئذٍ يعلق الحكم بها، فحينئذٍ نقول: المراد به أنفس ما يكون في ذلك الزمان، وإنما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - من باب المسألة فحسب، وأما ما عداه فيختلف قيل: المراد أن تكون لك فتتصدق بها، ( «خير لك من حمر النعم» ) يعني تتصدق بها، وهذا ضعيف لأن النص لا يدل على ذلك، لأنه قال: ( «فوا لله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك» ) . اللام هنا لام الملك، يعني شيء تقتنيه وتمتلكه، وهذا الذي يكون فيه المنافسة، وأما شيءٌ تأخذه تتصدق به مباشرةً لا يكون معك قد لا يقع في النفس كما الشأن إذا امتلكه واقتناه، ولذلك القول الآخر هو أولى بالاعتبار، لأن ظاهر النص يدل عليه. إذًا قيل: المراد أن تكون لك وتتصدق بها. وقيل: تقتنيها وتملكها.

والثاني: أظهر لعدم ما يدل على الأول. أي أنكم تحبون متاع الدنيا، وهذا خيرٌ منه.

قال النووي رحمه الله تعالى: وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام وإلا فذرة من الآخرة خيرٌ من الأرض بأسرها وأمثالها معها. رحمه الله تعالى وهو حق، ( «خير لك من حمر النعم» ) يعني في الآخرة والدنيا كلها بحذافيرها وأضعافها لا يسوى ذرة من الجنة.

إذًا ما مراد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ تقريب الأذهان، يعني حث الناس إذا علموا أن هذا أغلى ما يملك في الدنيا، أضعافه وأضعافه إنما يكون في الآخرة.

وفيه فضيلة الدعوة إلى الله تعالى، وفضيلة من اهتدى على يديه رجلٌ واحدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت