وقال في (( التيسير ) ): بين رحمه الله تعالى في هذا الباب أنه ليس اسمًا لا معنى له. يعني التوحيد ليس هو لفظ نقول: لا إله إلا الله. وانتهى الأمر لا، وإنما له معنى، وهذا المعنى كما ذكرنا معنى شرعي، إذًا لا بد من اللفظ والمعنى معًا، ولا يُكتفى باللفظ دون المعنى فلا يأتي بـ لا إله إلا الله لفظًا ثم يُفسرها لا خالق ولا قادر إلا الله، فحينئذٍ جاء بها من جهة اللفظ ولم يأتِ بها من جهة المعنى، هذا موافق أم مخالف؟ مخالف قطعًا، لماذا؟ لأن الموافقة للشرع تكون من الجهتين: من جهة النطق اللفظ، ومن جهة المعنى. فقول صاحب (( التيسير ) )هنا بَيَّن في هذا الباب أنه، يعني التوحيد، ليس اسمًا لا معنى له، بل له معنًى شرعي وهو إفراد الله تعالى بالعبادة فمن خالف في هذا المعنى ولو ادَّعَى أنه موحد فليس من الموحدين حقيقة، لماذا؟ لأن العبرة هنا بالحقائق والمعاني وليست بالألفاظ والدعاوى، الدعاوى هذه غير مقبولة فالألفاظ لا تكفي لا بد أتى يأتي باللفظ بـ لا إله إلا الله على المعنى الذي أراده الله، وأما أن يأتي باللفظ ثم يفسر المعنى من جهة عقله ورأيه وهواه وحزبه ونحو ذلك نقول: هذا لم يوافق الشرع البتة.
إذًا أنه ليس اسمًا لا معنى له، انتبه لهذه فائدة نفيسة، أو قولًا لا حقيقة له كما يظنه الجاهلون الذين يظنون أن غاية التوحيد فيه هو النطق بكلمة الشهادة كما هو مذهب الكرَّامية وغيرهم هو النطق بلفظة الشهادة وهذا موجود من يُنصر هذا القول من غير اعتقاد قلبي بشيءٍ من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معنى الإله هو الخالق المتفرد بالملك، فتكون غاية معرفته هو الإقرار بتوحيد الربوبية، وهذا ليس هو المراد بالتوحيد.
إذًا التوحيد نخلص من كلام صاحب (( التيسير ) )أن التوحيد ليس اسمًا لا معنى له، وليس بقولٍ لا حقيقة له، بل هو ينتظم شيئين اثنين كما قلنا اللفظ من جهة الشرع فكذلك المعنى يكون من جهة الشرع فمن اختلق معنى من عنده فمرده عليه، فيرد عليه، ومن حرَّف في المعنى وزاد أو نقص حينئذٍ يكون قول أو ذلك المعنى مردودًا عليه، فلا بد من أن يطابق المعنى اللفظ وأن يطابق اللفظ المعنى، وهذا هو حقيقة المطابقة أو دلالة المطابقة، ورد المصنف في هذا الباب على طوائف.
الأولى: من ادَّعَى أنه يكفي التلفظ بالكلمة فقط، كل من قال: لا إله إلا الله. فهو مسلم وإن لم يعلم معناها، وإن لم يخلص، وإن لم يستيقن، وإن لم يكن صادقًا فمتى ما قال: لا إله إلا الله. فحينئذٍ يحكم عليه بالإسلام وهؤلاء المرجئة الكرَّامية في الأصل، فمن قالها فهو موحدٌ وهؤلاء غلاة المرجئة ووجودهم في غلاة الصوفية والقبورية، كل من قال: لا إله إلا الله. وإن أشرك بالله واستغاث بغير الله فهو موحد لأن العبرة بـ لا إله إلا الله، «من قال: لا إله إلا الله. دخل الجنة» . نقول: هذه لها قيود ثقيلة لا بد من أن يُجمع بين النصوص فحينئذٍ ينظر هذا المعنى فلا يكون على إطلاقه البتة، هذه الطائفة الأولى من ادَّعَى أنه يكفي التلفظ بالكلمة فقط.
الثانية: من ادَّعَى أنه يكفي التلفظ بالكلمة مع اعتقاد معناها دون العمل فهؤلاء مرجئة كذلك لكنهم ليسوا بغلاةٍ.
الثالثة: من عاند، المعاندون وهو يعلم معنى التوحيد وأنه اعتقادٌ وقولٌ وعمل، وهذا هو معنى الإيمان الشرعي، وهو الذي ختم به المصنف كما مرّ معنا كتاب (( كشف الشبهات ) )لكنهم لا يعملون بالتوحيد، يعني يعلم معنى التوحيد وأنه مركب من ثلاثة أجزاء: معنًى، وقول، وعمل. لكنه لا يعمل بالتوحيد، ما حكمه؟ نقول: هذا ليس بمسلم، من اعتقد أن العمل داخلٌ في مفهوم التوحيد أو مفهوم الإيمان ولم يعمل شيئًا قط فليس بموحد فليس بمسلم، لماذا؟ لفوات ركن من أركان التوحيد وهو العمل، سواء عبرنا هنا بالتوحيد أو عبرنا بالإيمان فهما لفظان إذا انفرد كل واحد منهما دخل فيه الآخر.
إذًا الطائفة الثالثة من عاند وهو يعلم معنى التوحيد وأنه اعتقادٌ وقولٌ وعمل لكنهم لا يعملون بالتوحيد ووقعوا في الشرك ويتعذرون بمعاذير في ترك العمل وهي معاذير واهية، على كلٍّ لا يُقبل ترك العمل البتة معها اعتذر صاحبه، فتضمن هذا الباب بيان التوحيد والرد على المخالفين.