يعني قد يُطلق لفظ التفسير إطلاقًا غير ما سبق أن يكون متعلقه الألفاظ الغريبة التي هي مفردات، فإذا فسر كلمةً واحدة يقال فسَّرها، لماذا؟ لأن إظهار المعنى هنا متعلق بلفظ المفرد أو بغريب من غرائب الألفاظ، والتفسير قد يقال، يعني قد يُحمل ويُطلق فيما يختص بمفردات الألفاظ وغريبها، ومعلوم أن إظهار المعاني إنما في الأصل متعلق بماذا؟ بالمركبات هذا الأصل.
وقد يُطلق التفسير ويراد به المفردات، إذًا التفسير له إطلاقان في لسان العرب أو في استعمالات أهل العلم:
-قد يراد به إظهار المعنى المعقول من التراكيب وهو ما تفيده الجمل الاسمية والفعلية.
-وقد يراد به أو يُطلق في بيان مفهوم الألفاظ سواء كانت هذه الألفاظ غريبةً أم لا، وفيما يختص بالتأويل، ولهذا يقال تفسير الرؤيا وتأويلها، قال تعالى: {وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] . يعني يطلق التفسير ويراد به التأويل، هذه ثلاث اطلاقات يستعملها أهل اللغة.
ويقال كذلك في لسان العرب: فسَّر الشيء وضَّحه، والتفسير الشرح والبيان. أي باب بيان وإيضاح وشرح التوحيد، هذا الذي أراده بهذه الجملة.
(باب تفسير التوحيد) (أل) هنا في (التوحيد) للعهد الذهني إذ المراد به توحيد الألوهية على جهة الخصوص لأنه هو المقصود بالذات من تصنيف الكتاب كما سبق معنا مرارًا، والآيات الأربع [أربع نعم] والآيات الأربع التي أوردها المصنف تحت الترجمة كلها في توحيد الألوهية، وكذلك الحديث الذي أورده في الباب هو كذلك في توحيد الألوهية، ونص الشُّرَّاح على ذلك، فمراد المصنف تفسير توحيد الألوهية والعبادة ما المراد؟ لأن الخصومة فيه هي التي وقعت بين الأنبياء والرسل وأقوامهم من الذي يستحق العبادة على جهة الخصوص وتنفى هذه العبادة عما سواه؟ هذا محل المعركة بين الرسل وأقوامهم.
وأما نوعا التوحيد الآخران توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات فهذا كما مرّ معنا أنه مما دعت إليه الأنبياء، قد يظن طلاب العلم الآن إذا قيل: الأنبياء. إنما بعثوا من أجل توحيد الألوهية، كأنهم لم يدعوا وليس من دعوتهم توحيد الربوبية ولا الأسماء والصفات هذا غلط، غلطٌ على الشريعة لماذا؟ لأن النصوص الكتاب والسنة من أولها إلى آخرها فيها ذا وذاك، وإنما بيّن الله عز وجل أن الخصومة إنما وقعت في أحد أنواع هذه الثلاثة الأنواع الثلاثة وهو توحيد الألوهية، حينئذٍ لا يلزم منه أن لا تكون الأنبياء والرسل قد دعت إلى توحيد الربوبية وصححت بعض المفاهيم الخاطئة الواقعة عند الناس، ولذلك وقع بعضه كما سيأتي معنا في الرقى وغيرها أن بعضهم قد وقع في مفردات شرك توحيد الربوبية، إما أن يكون على جهة الشرك الأكبر، أو على جهة الشرك الأصغر، فالشرك واقعٌ في توحيد الربوبية، وكذلك واقع في توحيد الأسماء والصفات، لكنه لم تكن الخصومة فيه بين الرسل وأقوامهم، حينئذٍ عقد المصنف هذا الباب لبيان هذا النوع وليس فيه تجاهل لسائر الأنواع، بل سيأتي بعض الأبواب ترجم المصنف لبعض مفردات توحيد الربوبية على جهة الإثبات، وبعض مفردات الشرك الأكبر أو الأصغر ما يناقض توحيد الربوبية، وكذلك الشأن في الأسماء والصفات، ولذلك سيأتي (باب من جحد شيئًا من الأسماء) ، وهذا متعلق بتوحيد الأسماء والصفات.
إذًا مراد المصنف هنا في التوحيد توحيد العبادة وتوحيد الألوهية، وهذا كما سبق أن موضوع (( كتاب التوحيد ) )في بيان ما بعث الله به رسله من توحيد العبادة وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، فبين التوحيد على جهة الخصوص توحيد العبادة، ثم ما يناقض هذا التوحيد.
وبضدها تتبين الأشياء
ثم الوسائل والطرق الموصلة إلى الوقوع فيما يُناقض توحيد الألوهية الباب أو الكتاب كله عقده المصنف رحمه الله تعالى لهذا المعنى العظيم الجليل.