وقال الدَّمَمِينِي في (( تعليق الفرائد على تسهيل الفرائض ) )في نفس الموضع: كأنه مأخوذٌ من قولك: بَرَّأْتُ فلانًا عن كذا. إذا نفيته عنه، بل هو مأخوذ فهي مبرئةٌ للجنس، أي نافيةٌ له، وسيأتي ما المراد بنفي الجنس، كأنه مأخوذٌ من قولك: بَرَّأْتُ فُلانًا عن كذا. إذا نفيته عنه فهي مبرئةٌ للجنس، أي نافيةٌ له، وتسمى أيضًا (لا) النافيةَ للجنس، المراد بالنفي نفي الجنس المراد به نفي صفته وحكمه، وأما الجنس نفسه فهذا لا يمكن نفيه لأنه موجود، وإذا كان موجودًا حينئذٍ لا بد أن يكون محقَّقًا، وإذا كان محقَّقًا حينئذٍ لا يتسلط عليه النفي، وإنما يتسلط على حكمه وعلى صفته، لأنها هي التي تقبل النفي مَا زَيْدٌ قَائِمٌ نفيت ماذا؟ صفة من صفات زيد، وأما زيد فهو هو قائمٌ بذاته لا يمكن نفيه هو موجود مَا زَيْدٌ كَاذِبًا، مَا زَيْدٌ بِقَائِمٍ، مَا زَيْدٌ بِنَائِمٍ، قل ما شئت من النفي، حينئذٍ لم تنفِ زيدًا، وإنما نفيت صفةً من صفات زيدٍ، وهذا هو الأصل في النفي إنما يتسلط على الصفات لا على الذوات، تنبه لهذا، أي لصفته تسمى (لا) النافية للجنس، أي لصفته وحكمه وإلا فالجنس لا يُنفى، وإسناد النفي إليها مجازٌ من إسناد ما لشيءِ إلى آلته، يعني لماذا قيل: لا النافية للجنس؟ لماذا أُضيفت؟ لأن آلة التوصل إلى نفي الحكم هو الجنس، أليس كذلك؟ آلة التوصل إلى نفي الحكم والصفة هو الجنس فنسبت إليه، قاله ياسين الحمصي في هذا الموضع في حاشيته على (( مجيب النداء ) )، ولفظ الجنس لفظٌ منطقي، وهو من الكليات الخمس كما مر معنا شرح السلم.
وَالكُلِّيَاتُ خَمْسَةٌ دُونَ انْتِقَاصْ ... جِنْسٌ وَفَصْلٌ عَرَضٌ نَوْعٌ وَخَاصْ
وحقيقة الجنس كما مر معنا هو الكلي المقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة في جواب ما هو كليّ، يعني لفظٌ مشترك لا يصدق على واحدٍ ويُنفى عن الآخر، بل ثَمَّ أمورٌ مشتركة والاشتراك المراد به هنا اشتركٌ معنوي، حينئذٍ كان هذا الاشتراك صادقًا على أفرادٍ متعددة وهذه الأفراد كلها داخلةٌ تحت مفهوم اللفظ كإنسان أو كحيوان، الحيوان هذا جنس يصدق على الإنسان أنه حيوان، وعلى الفرس أنه حيوان، وعلى الحمار أنه حيوان وهكذا، فهذه أفراد هي في حقائقها متباينة، فالإنسان مغايرٌ للفرس، والفرس مغايرٌ للحمار، والحمار مغايرٌ للإنسان وهكذا، حينئذٍ هذه كلها متغايرة من حيث ماذا؟ من حيث الأفراد والحقائق، وأما من حيث دخولها تحت لفظ الحيوان فبينها قدرٌ مشترك، فكل من اتصف بالحيوانية يكون داخلًا تحت هذا اللفظ، هذا اللفظ حيوان يسمى كليًّا يصدق عليه التعريف كليٌّ مقولٌ، مقولٌ يعني محمول يطلق على كثيرين، يعني على أفراد مختلفين في الحقيقة كاختلاف الإنسان والفرس في جواب ما هو، كالحيوان فإنه يقال: على الإنسان والفرس والحمار، ويصدق عليها في جواب السائل، لو قال: ما الإنسان والفرس والبغل والحمار ما هذه؟ قال: حيوانات أو حيوان. حينئذٍ صدق اللفظ على ماذا؟ على كثيرين مختلفين في الحقيقة، على كثيرين متعددين اثنين فأكثر، وهذه الأفراد مختلفة في الحقيقة، يعني حقيقة وبنية وماهية الإنسان مغايرةٌ لماهية وحقيقة الفرس، ولكن يجمعها قدرٌ مشترك وهو لفظ الحيوان، فيقال في الجواب: حيوان. وإن شئت قلت بتعريف الجنس هو جزء الماهية الصادق عليها وعلى غيرها، جزء الماهية لأن الإنسان مركبٌ من شيئين: حيوان، وناطق. وَجُزْؤُهُ حيوان يصدق على الإنسان وعلى غيره وهو الفرس، وينفرد الإنسان عن الفرس بكونه ناطقًا، إذًا الجنس يجمع والفصل يفرق، الاختلاف والتفريق إنما يحصل بالفصول، والأجناس هذه تجمع بين الآحاد، جُزء الماهية صادق عليها وعلى غيرها، وهذا الكلام مأخوذٌ من مقدمة الشيخ الأمين رحمه الله تعالى، وقيد على غيرها جيء به للاحتراز من الفصل، وهو الشيء المميز، فشأن الجنس الجمع بين الأفراد والآحاد وهي مختلفة في الحقائق، وشأن الفصل التفريق، فالحيوانية مثلًا جامعةٌ للإنسان وغيره، والناطقية تخرج الإنسان عن الحيوان ففرقت بين الأفراد، فلما قيل: ناطقٌ. حينئذٍ اختص بوصف الإنسان أو اختص بإطلاقه على الإنسان وخرج الفرس وغيره لأنه لا يوصف بكونه ناطقًا.