أولًا: العموم، وهذا مأخوذ من النكرة في سياق النفي مَا جَاءَنِي رَجُلٌ، هذه أفادت العموم، مَا جَاءَنِي مِن رَّجُلٍ، مِن رَّجُلٍ نقول: هنا أفادت ... [مِنْ] الاستغراق. فَثَمَّ أمران، قال: كما أن مَا جَاءَنِي مِن رَّجُلٍ نص في الاستغراق بخلاف مَا جَاءَنِي رَجُلٌ هَذَا يُفيد العموم لكنه ظاهرًا، ففرق بين التركيبين، بخلاف مَا جَاءَنِي رَجُلٌ إذ يجوز أن يقال: لا رَجُلٌ فِي الدَّارِ بَل رَجُلان. لا رَجُلٌ فِي الدَّارِ بَل رَجُلان، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، إذًا دل على أن (لا) هنا ليست عاملةً عمل (إِنَّ) لأنها لو كانت عاملةً عمل (إِنَّ) للزم أن تكون ماذا؟ نصًّا في العموم، وهنا قال: بَل رجُلان. استثنى فكونه قد خصَّصَ اللفظ دل على أنه ليس للعموم، حينئذٍ هذه تعمل عمل (ليس) أو أنها ملغاةٌ، لا رَجُلٌ فِي الدَّارِ بَل رجُلان، وَمَا جَاءَنِي رَجُلٌ بَل رجُلان مثله، إنما هو لا يدل على العموم، ولا يجوز لا رَجُلَ فِي الدَّارِ بالفتحِ فتح رَجُلَ، لا رَجُلَ فِي الدَّارِ بَل رجلان، هذا لا يجوز كما جاز في الأول، وَمَا جَاءَنِي مِن رَّجُلٍ بَل رجُلان هذا لا يجوز، لماذا؟ للزوم التناقض، لأنه لو قال: لا رَجُلَ فِي الدَّارِ بَل رجُلان. لا، أثبت ما نفاه أولًا، لأن لا رَجُلَ لا واحد ولا اثنين ولا عشر ولا مليون نفى، فإذا قال: بَل رجُلان. إذًا كيف تنفي الاثنين وتُثبت الاثنين؟ هذا تناقض كأنك قلت: رَجُلانِ فِي الدَّار وَلا رَجُلانِ فِي الدَّار. هذا يُسمى ماذا؟ تناقض ومثله مَا جَاءَنِي مِن رَّجُلٍ بَل رجُلان، نقول: هذا تناقض إذا أردت الاستثناء أو تأتي بـ بل، الاستثناء من حيث المعنى الإضراب، إذا أردت ذلك حينئذٍ احذف (من) لا تأتي بها في التركيب، تقول: مَا جَاءَنِي رَجُلٌ بَل رجُلان. هذا الصحيح، وأما تقول: مَا جَاءَنِي مِن رَّجُلٍ بَل رجُلان. نقول: هذا فاسدٌ، لأنك وقعت في التناقض، فقد أثبت ما نفيته أولًا، واضح هذا؟ فلما أرادوا التنصيص على الاستغراق ضمن النكرة معنى [مِنْ] فبنوها، إذًا هذا هو السر في البناء أنه لتضمين الاسم معنى [مِنْ] الاستغراقية للدلالة على التنصيص، لأنه كما ذكر الصبان سابقًا أنهم أرادوا التنصيص على العموم ووضعوا له (لا) من سائر حروف أو أحرف النفي، ووجه دلالة (من) على العموم أن زيادة (من) في سياق النفي تدل على عمومِ النفي، وذلك لأن الحرف الواحد يُفيد التأكيد، وتأكيد النفي يُفيد العموم، أي مع كونه دالًا على العموم لكونه نكرة في سياق النفي، يعنى كما سبق معنا مرارًا أن العرب تزيد الحرف في الجملة للدلالة على زيادة المعنى، وهذا المعنى هو التأكيد، فإذا قلت مثلًا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، يعني ليس مثل مثلهِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لا ليس بذكر الكاف، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، حينئذٍ حذفت الجملة الثانية والثالثة وعُوِّضَ عنها الحرف الزائد فأفادت التأكيد، لكن هنا التأكيد في ماذا؟ في النفي، التأكيد في النفي، قد يُراد بالتأكيد التنصيص لأن لا رَجُلٌ فِي الدَّارِ هو بنفسه أفاد العموم لكنه ظاهرًا، فلما أردنا تأكيد العموم ونفي الاحتمال للتخصيص زدنا [مِنْ] عليه، على القاعدة المطردة عند العرب وهي أن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى، والمعنى المراد به هنا في التأكيد هو عموم النفي. قال ياسين الحمصي في ... (( حاشيته على مجيب النداء ) )في هذا الموضع: لا رجلَ أبلغ في النفي من لا رجلٌ، لا رجلَ أبلغ في النفي من لا رجلٌ لما أن الأول نصٌّ في الاستغراق. لأنه على معنى (من) دون الثاني، ولا يمكن تقدير ما يكون الكلام به كذلك، يعني نفرق بين اللفظين؟ أو ما الذي جعلنا نفرق بين التركيبين؟ لا رجلَ نقول: هذا للاستغراق ولا رجلٌ أدنى منه، والأول أبلغ والثاني محتمل، قال: ولا يمكن تقدير ما يكون الكلام به كذلك إلا بحرفٍ مؤكد للنفي في المسند إليه وهو (من) ، وهو (من) هنا لأنها جاءت مصرحة في بعض المواضع، فإنه يُؤكد به النفي في المسند إليه مثل قولهم: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ.