ثالثًا: (إله) الذي هو اسم (لا) الإله، إله مبنيٌّ على الفتح على الصحيح، خلافًا لمن قال بإعرابه منصوبًا (لا إلهَ) ، (لا) نافية للجنس، (إلهَ) اسمها مبنيٌّ على الفتح على الصحيح، لأن ثَمَّ خلافًا منهم من يرى أنه معرب وسقط التنوين لعلةٍ، وهذا يُرْجع من أراد التفصيل فيه يُرْجع إلى مواضعه، واسم (لا) النافية للجنس إذا كان مفردًا لا مضافًا ولا شبيهًا به بُنِيَ على ما كان يُنْصَبُ عليه لا رَجُلَ فِي الدَّارِ، لا رَجُلَيْنِ فِي الدَّارِ، لا رِجَالَ فِي الدَّارِ يُبْنَى على ما كان يُنْصَبُ عليه، إن كان ينصب بالفتحة بُنِيَ على الفتح، إن كان ينصب بالياء بُنِيَ على الياء، إن كان يُنصب بالألف كذلك بالألف، وعلّة البناء عند سيبويه والجمهور تركيبه تركيب خمسة عشر، والأحسن أن يقال: علة البناء هي تضمن معنى الحرف الذي هو ... [مِنْ] الاستغراقية، وسبق كلام الرازي في ذلك، والعامل فيه (لا) باتفاق، يعني العامل في إله البناء هو ماذا؟ (لا) ، لأنك تقول: في محل نصب. (لا) من النواسخ نواسخ المبتدأ والخبر، فإلهَ اسمها، حينئذٍ يَرِدُ السؤال أين الخبر؟ إن كان أكثر في هذا الباب أنه يسقط.
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر
إذًا لا بد له من خبر، هذا هو الأصل، لا بد لاسم (لا) من خبر، حينئذٍ نقول: قاعدة أن كل مبتدأٍ له خبر، لأن (لا) من النواسخ فدخلت على المبتدأ، وكل مبتدأٍ لا بد له من خبر، وإسقاطه هنا مع العلم به لا يمنع من تقديره، إذ المحذوف للعلم به كالملفوظ به، حينئذٍ لا بد أن يُقدر، قال الشاطبي في (( المقاصد الشافية ) )الجزء الثاني ثمانية وأربعين وأربعمائة في شرح البيت السابق.
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر ... إذا المراد مع سقوطه ظهر
يعني أن الخبر في هذا الباب الذي هو باب (لا) العاملة عمل (إِنَّ) قد شاع في الكلام إسقاطه وترك ذكره، وإنما يثبت قليلًا.
أما بنو تميم فلا يذكرونه إذا عُرف المعنى وعُلم المحذوف لا يذكر، وبذلك قيّد الناظم الحذف فقال:
إذا المراد مع سقوطه ظهر
فلا يحذف الشيء إلا إذا عُلم، وأما أهل الحجاز فيجوز عندهم الحذف والإثبات إذا عُلم، والحذف عندهم كثير، إذًا إذا عُلم فعند بني تميم يُحذف ولا يُذكر، وعند الحجازيين إذا عُلِمَ جوَّزُوا الوجهين أنه يُذكر أو يُحذف، والحذف عندهم أكثر، لماذا نورد هذا؟ نورد هذا من أجل أن نعرف ما هو الأفصح، حينئذٍ إذا دار الخلاف بين أمرين كل منهما جاء في لسان العرب حينئذٍ نحمل القرآن على الأفصح، ولا مانع أن يحمل على الفصيح إذا دل دليل على ذلك، لكنه إذا لم يدل دليل حينئذٍ حملناه على الأفصح، فحينئذٍ لا إله إلا الله هذه جزء آية، أليس كذلك؟ جزء آية حينئذٍ في إعرابها نقول: لا إله إلا الله، الخبر هنا محذوف، وحذفه للعلم به لما ذكرناه سابقًا، وهذا هو الغالب، حينئذٍ لو ادَّعَى مُدَّعٍ بأن لفظ الجلالة الله هو الخبر نقول: هذا خلاف الأفصح. لماذا؟ لأن خبر (لا) النافية للجنس الأفصح والشائع في لسان العرب، بل وعليه كثير في القرآن أنه يُحذف، فحمل ما تردد على معنيين على الأفصح أولى سيكون الراجح هو تقدير الخبر، لأن بعضهم جوّز كالزمخشري أن يكون (الله) هو الخبر ليس عندنا محذوف وإنما هو مذكور في التركيب، والصحيح هو ما سبق، إذًا نأخذ من هذا فائدة من كلام الشاطبي وغيره وهي أن الأفصح أن لا يكون الخبر عندنا، يعني في هذه الكلمة مذكورًا. إذا تقرر هذا نقول: العلماء من النحاة وغيرهم في خبر (لا) هنا مذهبان لهما أو للنحاة مذهبان.
الأول: منهم من يرى أن خبر (لا) مذكور في الجملة ولم يحذف، موجود (لا إله) مبتدأ، (إلا الله) خبر وهذا مذهب الزمخشري وقرره في رسالته (( كلمة الشهادة ) ).