فهرس الكتاب

الصفحة 503 من 2014

المذهب الثاني: منهم من يرى أن خبر (لا) غير موجودٍ في الجملة، بل هو محذوف ويجب تقديره لا بد لأن عندنا مبتدأ ولا بد له من خبر، وليس عندنا مبتدأ لا خبر له وإن وُجِدَ في بعض المواضع ليس هذا الموضع منها، واختلفوا في تقديره، أما المذهب الأول فقائده الزمخشري في رسالته (( كلمة الشهادة ) )التي هي معنا، ولذلك نص على أن التقدير هذا خلاف الصواب فقال: اعلم أن متقدمي الشيوخ ذهبوا إلى أن قولنا: لا إله إلا الله كلام غير تام ولا مستقل بنفسه. يعني اللفظ غير تام هو صحيح ليس بتام، يعني من حيث اللفظ، يعني المنطوق به ليس بتام، ولا بد من خبر، فلا بد أن نقدره هذا مرادهم، بل يجب أن يُقدر ها هنا خبر محذوف مثل قولهم: (لا إله) في الوجود (إلا الله) ، أو (لا إله) موجودٌ، أو (لا إله) لنا (إلا الله) . فقدروا هذا الكلام بقدر قولهم: لا رَجُلَ فِي الدَّارِ إِلا زَيْد. فحملوه على أن الكلام جملتان وليس الأمر كذلك، يعني التقدير ليس بصحيح، لأننا لا نحتاج إلى تقدير، بل الكلام تامٌّ بنفسه لا إله إلا الله تام جملة تامة ذكر فيها المبتدأ والخبر، لأن من ذهب إلى ذلك، يعني التقدير، فكأنه لم يعرف معنى هذا الكلام، ولا مورده، بل الوجه الصحيح في ذلك أن يكون هذا كلامًا مفيدًا مستقلًا بنفسه غير محتاجٍ إلى سواه، ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أن إذا تأملنا الكلام وجدنا أنه لا يخلو من وجهين:

أحدهما: أصل الكلام.

والثاني: تفريعٌ يزيد الكلام تحقيقًا وتأكيدًا.

وحاصل كلامي أن أصل لا إله إلا الله، الله إله، هذا الأصل، الله إله، حينئذٍ أراد الحصر، لماذا؟ لأنه كما سيأتي الزمخشري يوافق في أن الإله بمعنى معبود فِعَال بمعنى مَفْعُول، إذًا الله معبودٌ، هل المشركون يُنكرون أن الله معبود؟ الجواب: لا، وإنما يُنكرون أنه المعبود وحده دون ما سواه هذه واحدة، إذًا أصل التركيب الله إلهٌ، حينئذٍ أراد الحصر والقصر، فقدَّم وأخَّر فقيل: الإلهُ الله، أو إلهَ الله. أراد زيادة المعنى في التأكيد فأدخل (لا) و (إلا) ، فقال: لا إله إلا الله. إذًا ليس عندنا حذف، وهذا تقرير كلامه وفيه شيءٌ من النظر، قد رده بعضهم بقوله: ولا يصح أن يكون الخبر الله في قولك: لا إله إلا الله. وذلك لأمرين:

أحدهما: أنه معرفة، و (لا) لا تعمل إلا في نكرتين: اسمها، وخبرها. والله معرفة كيف عمل فيه؟ أنه معرفة ولا تعمل في معرفته، و (لا) لا تعمل في معرفته.

الثاني: أن اسم (لا) هنا ماذا؟ عامٌ، اسم (لا) هنا عام، وقولك: (إلا الله) . خاصٌّ، والخاص لا يكون خبرًا عن العام، هذا رده ابن يعيش في (( شرح المفصل ) ).

إذًا إله عام، والله خاص ولا يُخبر بالخاص عن العام، زد عليه

ثالثًا: دعوى الأصل والفرع تحتاج إلى دليل، كون الأصل الله إله، ثم قُدِّم وأُخِّر ثم أُقحم (لا) و (إلا) هذا يحتاج إلى دليل، يعني أنه وُجِدَ في بعض كلام العرب هذا التركيب.

رابعًا: أن (لا) و (إلا) من صيغ الحصر وهي مستقلة بنفسها وهي أقوى من التقديم والتأخير، فالقول بأن الحصر أول ما اسْتُعْمِلَ في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ابتدأً بـ (لا) و (إلا) بأعلى درجات الحصر والقصر هو أولى من دعوى التقديم والتأخير، أن (لا) و (إلا) من صيغ الحصر، بل هي أعلى صيغ الحصر، فالأصل فيها أنها مُرْتَجَلَة وأن الكلام على ظاهره والقول بالفرعية قد يُقلِّل من شأن دلالتهم على القصر والحصر والله أعلم.

إذًا يُرَدّ بأربعة أوجه.

إذًا الزمخشري يرى أنه يجوز أن يكون (لا إله إلا الله) جملةً تامة من غير تقدير حذف الخبر، يعني (لا إله) مبتدأ، و (إلا الله) خبره، وأُورِدَ عليه كما ذكرنا المبتدأ نكرة، والخبر معرفة، وهذا كذلك يزال هنا المبتدأ نكرة والخبر معرفة، لكن قد يقال بأنه دخلت عليه (لا) فسوغت الابتداء بالنكرة، فأجاب أن هذا تركيب فرع لا أصلٌ، وأصل الكلام في التقدير (الله إله) ، فقدِّم الخبر دفعًا لإنكار المنكِر فصار (إله الله) ، ثم أريد به نفي الآلهة، وإثبات الله عز وجل إلهًا قطعًا، فدخل في صدر الكلام من الجملة حرف (لا) وفي وسطها (إلا) ليحصل غرضهم وصار (لا إله إلا الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت