إذًا هذا هو المعنى الذي يجب أن يقدر، وقدره المتكلمون على المشهور لا إله موجودٌ إلا الله، هذا تقدير المتكلمين، وهو المشهور في مصنفات النحو وعلم الكلام وهو تقدير مبني على أصلٍ عندهم وهو الخلط بين الألوهية والربوبية، وفهم لفظ الله وإله بمعنى رب (لا إله) ، يعني لا رب كما سيأتي في موضعه. إذًا لم يفرقوا بين الإله وبين الرب، ففسروا الإله بمعنى الرب والرب بمعنى الإله فهما بمعنى واحد عندهم، وتكون الكلمة عندهم مفادها لا رب موجودٌ إلا الله، وهذا باطل واعترض بعضهم على هذا التقدير موجود ورأوا أن العموم يتحقق مع لفظ ممكن، فقدروه لا إله ممكن إلا الله، هذا كسابقه، ووجه الاعتراض أن تقدير موجود يجعل كلمة التوحيد قاصرة على نفي وجود غير الله، ولا تفيد نفي إمكان ذلك الغيب، إذًا (لا إله) موجودٌ إلا الله نفت الوجود لكن لا يمنع الإمكان، الإمكان العقلي، إذًا (لا إله) ممكن فلسفة هذه، (لا إله) ممكن، والإمكان محله العقل، فإذا قلت: (لا إله) موجود، أو (لا إله) في الوجود. نفيت الشيء في الخارج لكنك لم تنفيه في الذهن، فلا بد من خبرٍ ينفي الأمرين، فقالوا: (لا إله) ممكن ٌإلا الله. وكلا التقديرين فاسدان، والتقدير الأول هو الصحيح، ولذلك علَّق الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى على (( شرح الطحاوية ) )الجزء الأول صفحة أربعة وسبعين بقوله: تقدير الخبر بكلمة في الوجود ليس بصحيح. لأن الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة وموجودة، الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة وموجودة، وتقدير الخبر بلفظ في الوجود لا يحصل به المقصود من بيان أحقِّيَّة ألوهية الله سبحانه وبطلان ما سوها، لأن لقائل أن يقول: كيف تقولون (لا إله) في الوجود إلا الله، وقد أخبر الله سبحانه عن وجود آلهةٍ كثيرة للمشركين كما في قوله سبحانه: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ} ... [هود: 101] . سماها آلهة، وقوله سبحانه: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} [الأحقاف: 28] . سموها آلهة، فلا سبيل إلى التخلص من هذا الاعتراض وبيان عظمة هذه الكلمة قد يفاد من كلام الشيخ أنه نقدر حق من أجل الخلوص من الاعتراض، ونحن نقدره من جهتين:
أولًا: دلالة المعنى المطابقي الذي أجمع عليه السلف.
ثانيًا: موافقةً للآية {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} قبل الاعتراض.