فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 2014

حينئذٍ نقول: لهذين الوجهين، ثم نزيد ردًّا على المخالف بأنه لا يستقيم المعنى إلا بذلك، نعم وبيان عظمة هذه الكلمة، وأنها كلمة التوحيد المبطلة لآلهة المشركين وعبادتهم من دون الله إلا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النحاة وهو كلمة حقٌّ، لأنها هي التي توضح بطلان جميع الآلهة، وتبين أن الإله الحق والمعبود الحق هو الله وحده، كما نبه على ذلك جمعٌ من أهل العلم منهم أبو العباس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وآخرون رحمهم الله، ومن أدلة ذلك قوله سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} . فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه هو الحق وأن ما دعاه الناس من دونه هو الباطل، فشمل ذلك جميع الآلهةِ المعبودة من دون الله من البشر والملائكة والجن وسائر المخلوقات، واتضح بذلك أنه المعبود الحق وحده، ولهذا أنكر المشركون هذه الكلمة وامتنعوا من الإقرار بها لعلمهم بأنها تبطل آلهتهم، يعني فهموا (لا إله إلا الله) أحسن من فهم المتكلمين، ما فهموا (لا إله) موجودٌ إلا الله، و (لا إله) في الوجود إلا الله، وإنما فهموا (لا إله) حقٌّ، يعني هذه الآلهة التي تتوجهون إليها بالعبادة لا تستحق شيئًا من تلك العبادة، وهذا المعنى لم يفهمه هؤلاء المتكلمون، وامتنعوا من الإقرار بها لعلمهم بأنها تبطل آلهتهم، لأنهم فهموا أن المراد بها نفي الألوهية بحقٍّ عن غير الله سبحانه، ولهذا قالوا جوابًا لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لما قال لهم: «قولوا لا إله إلا الله» . {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ، وقالوا أيضًا: {أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصفات: 36] . وما في معنى ذلك من الآيات، وبهذا التقرير يزول الإشكال أو جميع الإشكال ويتضح الحق المطلوب، والله ولي التوفيق انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

إذًا تقرر أن الخبر المقدر هو حقٌّ، والخبر مرفوع عند النحاة، حينئذٍ ما العامل هنا حقٌّ ما الرافع له؟ على الصحيح أنه (لا) ، وإن كان النحاة اختلفوا في الرافع فيه، والصحيح أنه (لا) وهو اختيار ابن مالك في التسهيل، وقيل: على خبرِ الابتداء، لأن (لا) مع اسمها في موضع اسمٍ مبتدأ، فالخبر مرفوع به لا بها، على مذهب سيبويه، (لا إله) مبتدأ، حقٌّ، إذًا المبتدأ الخبر مرفوع بالابتداء.

ورفعوا مبتدءًا بالابتداء ... كذلك رفع خبر بالمبتدأ

حينئذٍ حقٌّ مرفوع بقولنا: (لا إله) . لا بـ (لا) فقط، هذا تفسير سيبويه، فالخبر مرفوع به، يعني بالمبتدأ لا بها. قال الزركشي: ومذهب سيبويه أنها واسمها في محل رفعٍ بالابتداء، ولا عمل لها في الخبر، ومذهب الأخفش أن اسمها في محل رفعٍ وهي عاملة في الخبر. قال الدَّمَمِينِي: وذهب قومٌ إلى أنها إذ ذاك أعني عند التركيب لا تعمل في الخبر. (لا إله) ، (لا) تعمل في الخبر، بل النكرة مع (لا) في موضع رفعٍ بالابتداء، والخبر خبر المبتدأ، وهذا مذهب سيبويه فهو مرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخولها قبل دخول (لا) ، ثم قال: قال ابن هشام: والذي عندي أن سيبويه يرى فِي لا رَجُلَ أن كلمة (لا) ، (لا) عمل لها في الاسم و (لا) في الخبر. لأنها جزءٌ، جزء كلمة، والجزء لا يعمل لأنها صارت جزء كلمة، إذًا (لا إله) مرفوع بالابتداء قبل دخول (لا) ، وحقٌّ مرفوع بالمبتدأ الذي دخلت عليه (لا) ، وسيبويه يرى أن الخبر مرفوع بما كان مرفوعًا به قبل دخول (لا) ، بمعنى ترتبت (لا) مع اسمها حتى صارت كالكلمة الواحدة، وجاء الخبر عن المجموع، فحقٌّ عند سيبويه ليس خبرًا لـ (لا) ، بل هو خبر عن المبتدأ المركب من (لا) و (إله) ، وتعليل ذلك عنده ضَعْفُ (لا) أو ضُعْفُ (لا) عن العمل بسبب التركيب فلم يصل أثرها إلى الخبر، وعلى رأي الأخفش والأكثرين أن الخبر المقدر معمول (لا) ، وهذا هو الصحيح أنه معمول (لا) وهذا هو الصحيح فهو خبرها عملت فيه كما عملت في الاسم، ولذلك قال ابن مالك:

وبعد ذاك الخبر أذكر رافعه

هذا ما يتعلق بالجزء الأول وهو (لا إله) ، وسيأتي البحث في الجزء الثاني (إلا الله) ، والله أعلم.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أسئلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت