فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 2014

لا شك أن المسلمين إذا كانوا في مسجدٍ واحد يجتمعون فيه فحينئذٍ ليسوا كما إذا وُزِّعُوا على مسجدين، أليس كذلك؟ تفريقًا بين المؤمنين، فإذا كان مسجد الضرار أريد به شق الصفوف من أجل أن لا يجتمع المسلمون في مسجد واحدٍ فحينئذٍ صدق عليه الوصف أنه تفريقًا بين المؤمنين، هذا يدل هل ماذا؟

على أنه لا تُبْنَى المساجد إلا للحاجة، والذي عليه الناس الآن هذا يعتبر من البدع في الشرع، لأنه مصادم للنص، أنت الآن تسمع {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} وما أكثر المساجد المتجاورة التي قد لا يكون فيها إلا صف واحد، هذا من البدع والأمر ليس إلينا، إنما يُبَيَّنُ حكم الله تعالى، فحينئذٍ نقول: هذا يُعتبر من البدع لأن الله تعالى أنكر مقْصِدًا من مقاصد المنافقين الذين بَنَوْ مسجد الضرار من أجل مشاقة المسلمين، يعني قطع الصفوف وتوزيع الصفوف بين المسجدين، وهذا سماه الله عز وجل {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} فكلما وُجِدَ هذا الفعل وهذه العلة استحق الوصف، لا من كونه مسجد ضرار، وإنما من جهة النهي فحسب. [نعم] .

قال هنا: {وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} ، {وَإِرْصَادًا} يعني انتظارًا وإعدادًا لمن حارب الله ورسوله يقال أرصدتُ أي: أعددتُ له، وهو أبو عامر الراهب الفاسق ... {مِن قَبْلُ} أي: من قبل بناء المسجد الضرار. قال هنا: {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} ليحلفن أيمان، هذه سنة المنافقين يحلفون أنهم ما أرادوا بهذا المسجد إلى الحسنى، يعني: القربة والجنة ونحو ذلك. فلهذه الأمور نهى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن القيام فيه للصلاة، وكان المنافقون الذين بنوه جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه إلى تبوك فسألوه أن يصلي فيه ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره، إذا صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المسجد دل على ماذا؟ على أنه ما صلى إلا وهو مقرٌّ له، ومن هنا أخذ أهل العلم على أن من كان يُنظر إليه من أهل العلم أو الجاه أو نحو ذلك فينتبه إلى الأماكن التي يكون فيها شيء من قصد المعصية، فلا يكون فيها لئلا يحتج بوجوده على جوازها، هذا موجود عند العامة الآن، لو كان كذا ما ظهر فلان، هو نفسه هذا، لو كان المسجد لم يُبْنَ على أساس التقوى لَمَا صلَّى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟ لو كان هذا محرم ما فعله فلان، نفس الحجة، والحجة هي الحجة، فيجب على طلاب العلم ومن كان يُقْتَدَى بهم ألا يضعوا أنفسهم في مواضع يحتج به أهل الجهل على جواز ذلك ويكون محرمًا. فسألوه أن يصلي فيه ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وذكروا أنهم بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليل الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنَّا على سفرٍ ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» . فلما قفل - صلى الله عليه وسلم - راجعًا إلى المدينة ولم يَبْقَ بينه وبينها إلا يومٌ أو بعض يوم نزل الوحي بخبر المسجد. فبعث إليه فهدمه قبل مقدمه إلى المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت