إذًا {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} المراد به مسجد الضرار، نهاه الله عز وجل عن أن يصلي فيه أبدًا مطلقًا، لماذا؟ لأن المسجد لم يُبْنَ على أساسٍ من التقوى، وإنما بَنَتْهُ أَيْدِي المنافقين للأغراض التي نصَّ الله تعالى عليها.
وجه مناسبة الآية للباب: قد يقول قائل (باب لا يُذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله) هنا {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} ما العلاقة بينهما؟
هنا يأتي فقه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فقه دقيق جدًا.
مناسبة الآية من جهة القياس لأنه إذا منع الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن القيام لله تعالى في هذا المسجد المؤسس على هذه المقاصد الخبيثة مع أنه لا يقوم فيه إلا لله، لو صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى لله، والمكان هذا مكان معصيةٍ، فنهاه الله عز وجل، مع كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لو صلى لن يُصَلِّيَ إلا لله عز وجل، فكذلك جاء القياس - وهو قياس جلي واضح بَيِّن لا ينكره إلا أعجمي - فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله، لا يذبح فيها الموحد لله عز وجل، لماذا؟ لأنها قد أُسِّسَتْ على معصية الله والشرك به. وهذا قياسٌ صحيح واضح بين. فالمواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، كما أن هذا المسجد لَمَّا أُعِدَّ للمعصية صار محل غضبٍ لأجل ذلك فلا تجوز الصلاة فيها لله.
إذًا كل ما وضعٍ أُعِدَّ لمعصيةٍ - هذه قاعدة - إذ الحكم هنا ليس خاصًا بالذبح {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} حينئذٍ نقول ماذا؟ نُهِيَ عن الصلاة. إذًا كل موضعٍ تُفْعَلُ فيه أي عبادةٍ فليس خاصًا بالصلاة ولا بالذبح لله عز وجل، لا يُتَقَرَّبُ إلى الله تعالى، ولا يُطاع الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في موضعٍ يكون هذا الموضع معدًا للمعصية، فحينئذٍ الحكم ليس خاصًا بالذبح وإنما هو عام. ولذلك قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى في (( القول المفيد ) ): دَلَّ على أن كل مكانٍ يُعْصَى الله فيه أنه لا يُقام فيه. دل الحديث أو دل النص على أن كل مكانٍ يُعصى الله فيه أنه لا يقام فيه. يؤيد هذا القياس حديث ثابت بن الضحاك الآتي في محله إن شاء الله تعالى. {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} ، {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} ، {لَّمَسْجِدٌ} اللام هذه للإبداء مسجدٌ هذا مبتدأ، وخبره {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} وفي هذا التنكير تعظيم للمسجد ... {لَّمَسْجِدٌ} التنوين هذا للتعظيم {لَّمَسْجِدٌ} بدليل قوله: {أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} هذا فيه مِدْحَةٌ لهم. أي جُعِلَتِ التقوى أساسًا له، وأفعل التفضيل هنا ليست على بابها {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} هل المسجد الضرار فيه شيء من الأحقية؟ الجواب: لا. إذًا ليس فيه ولا رائحة الحقِّ.
لِمَ عَبَّرَ الله عز وجل بأفعال التفضيل؟
نقول: ليست على بابها، يعني ليس كِلا المسجدين فيه حقٌّ ويستحق أن يقام فيه، ومسجد قباء أولى، ليس هذا المراد، وإنما الحق كل الحق أن يُقام في مسجد قباء، والحق كل الحقّ أن يبتعد عن مسجد الضرار.
إذًا ليست على بابها، فالأحقية هنا ليست على بابها.