وقوله: {فِيهِ رِجَالٌ} فيه أي في هذا المسجد المؤسس على التقوى ... {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} هذا فيه إشارة إلى أن المنافقين أصحاب المسجد الضرار أنهم رجس، لأنه قال: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} إذًا ما يقابله فيه إشارة أن المسجد أو المنهي عن الإقامة فيه المنافقون رجس، ولذلك قال تعالى في شأن المنافقين {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة: 95] {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} هذا تعليل.
روى الإمام أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاهم في مسجد قباء فقال: «إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تَطَّهَّرون به» ؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا». صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفيه كلام بعض أهل العلم، لكن يذكر في هذا المقام.
وفي رواية عن جابر وأنسٍ مرفوعًا: «هو ذاك فعليكموه» . رواه ابن ماجة وابن أبي حاتم والدراقطني والحاكم وقال: حديثٌ كبير صحيح. ووافقه الذهبي وصححه الطحاوي والنووي في (( المجموع ) )، وحسنه الزيلعي في ... (( نصب الراية ) ). إذًا قابل للتحسين.
وقوله: {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} أي الذين يتنزهون من القاذورات والنجاسات بعد ما يتطهرون من أوزار الشرك وأقذاره فيشمل النوعين:
-الطهارة الباطنة من الشرك ومن الذنب والإثم والمعصية والحقد والغل ونحو ذلك.
-والطهارة الظاهرة التي تكون من النجسات.
قال أبو العالية: إن الطهور بالماء لحسن لا يُنكر، ولكنهم المتطهرون من الذنوب، وأعظم الذنوب هو الشرك بالله تعالى. وفيه إثبات المحبة.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد» ؟ قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم» ؟ قالوا: لا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك» ) . وفي رواية «فأوف» . بالفاء وهي التي شرحها ابن تيمية في (( الاقتضاء ) ) «فأوف بنذرك» . (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» [رواه أبو داود، وإسنادها على شرطهما] ) والحديث كما قال المصنف رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والحافظ في التلخيص، وأصله في الصحيحين.
قوله: (عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه) أي عن ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلي صحابي مشهور، روى عنه ابن قلابة وغيره مات سنة أربعٍ وستين.
قوله: (نذر رجل) النَّذْرُ لغة الإلزام والعهد، واصطلاحًا أو شرعًا إلزام المكلَّف نفسه لله شيئًا غير واجب. هذا المشهور، إن كان زيادة غير واجبٍ قد لا نحتاجها، لماذا؟ لأنه قد ينذر الواجب، فالإلزام كما يكون في السنة في المندوب فيكون واجبًا، بعضهم استشكل كيف يكون واجبًا ثم يكون واجبًا بالنذر؟