إذ قد علمنا - يقول ابن عكبري: إذ قد علمنا أن كثيرًا ممن يقربه ويوحده بالقول المطلق قد يُلحد في صفاته - هذا واضح كالجهمية والمعتزلة وغيرهم - فيكون إلحاده في صفاته قادحًا في توحيده، وهذا سيأتي العلاقة بين الأنواع الثلاثة -سيأتي مسألة مستقلة - ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحده من هذه الثلاث والإيمان بها.
إذًا في الجملة العكبري رحمه الله تعالى: أقر بوجود هذا التنويع ونسبه إلى الشرع فحينئذ صار حقيقة شرعية. وهذا صريح من كلام ابن بطة، وهو من علماء السلف المتقدمين في تقسيم التوحيد، ومثله عن الحافظ ابن مندة والطبري وابن تيمية وابن القيم، فإنكار التقسيم حينئذ يكون مكابرة ومعاندة وليس مع من أنكر أي مستند شرعي ولا نقل سلفيّ.
العلاقة بين هذه الأقسام الثلاثة: هذه الأنواع الثلاثة هي بمجموعها الركن الأول من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالله عز وجل، أن نؤمن بالله، هذا عند التفصيل نؤمن بروبيته، بألوهيته، بأسمائه وصفاته، وهو الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد فلا يكمل لأحدٍ توحيده إلا باجتماع هذه الأنواع الثلاثة، فهي متلازمة وجودًا وانتفاءً، يعني إذا وُجِدَ توحيد الربوبية على وجه الكمال وجد معه توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. إذا عدم توحيد الربوبية من أصله لزم منه انتفاء توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. إذا وقع خلل في توحيد الربوبية لزم منه وقوع الخلل في توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية. إذًا هي متلازمة ومترابطة متلازمة وجودًا وانتفاءً كمالًا ونقصًا لأنه قد يكون ثَمَّ خلل في توحيد الربوبية لا يخرجه من الإسلام لكنه يلزم منه وقوع الخلل والنقص في توحيد الألوهية. إذًا هي متلازمة وجودًا وانتقاءً كمالًا ونقصًا، يكمل بعضها بعضًا، والخلل والنقص والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله.