قوله: (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله) . قلنا: هذه جملة فيها عموم، دليلٌ على أن هذا نذر معصيةٍ، يعني لو كان في وثن، حينئذٍ صار نذر معصية، لو كان فيه عيد حينئذٍ صار نذر معصيةٍ، لا يجوز الوفاء به إجماعًا، حُكِيَ الإجماع على ذلك أنه لا يجوز الوفاء به، وعلى أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به محل إجماعٍ بين أهل العلم، واختلفوا هل تجب فيه الكفارة أم لا؟
على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومسألة طويلة الذيل، ولكننا نختصر على ما ذكره الشراح.
أحدهما: تجب، وهو المذهب عند الحنابلة. يعني نذر المعصية، لو نذر أن يذبح في مكانٍ لله في مكانٍ يُذبح فيه لغير الله ما حكمه؟ نقول: هذا نذر معصية. هل يجوز الوفاء به؟ الجواب: لا. طيب ماذا يصنع؟ هل تجب عليه الكفارة؟
المذهب نعم يكفر، عليه كفارة يمين. تجب وهو المذهب، ورُوِيَ عن ابن مسعود وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لحديث عائشة مرفوعًا: «لا نذر في معصيةٍ وكفارته كفارة يمين» . صححه بعض أهل العلم، رواه أحمد وأهل السنن واحتج به أحمد وإسحاق.
والرواية الثانية والقول الثاني: لا كفارة عليه. رُوِيَ ذلك عن مسروق والشعبي والشافعي لحديث الباب. وحديث عائشة ولم يذكر فيه كفارة، حديث عائشة الآتي في الباب الآتي: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . ولم يذكر كفارة، في رواية أنه قال: ويكفر كفارة يمين لكن فيها شيء من الضعف. وحديث عائشة ولم يذكر فيه كفارة، وجوابه أن عدم الكفارة أو عدم ذكر الكفارة لا يدل على عدم وجوبها. يعني إذا جاء النص في موضعٍ بأنه يجب عليه أن يكفر، وجاءت نصوص أخرى ليس فيها ذكر الكفارة، حينئذٍ عدم الذكر لا يلزم منه أنه لم يرد، أليس كذلك؟ عدم الذكر بموضعٍ لا يلزم منه أنه لم يرد، ولذلك في مواضع في صفة الوضوء وصفة الصلاة قد يرد في بعضها ولا يرد في كثيرٍ منها، جلسة الاستراحة وردت في بعض الروايات ولم ترد في أكثر الروايات، حينئذٍ نقول: هل عدم ذكرها يدل على أنها ليست مشروعة؟ الجواب: لا. إذًا عدم الذكر ليس دليلًا على عدمها، وذُكِرَ في حديث عائشة والمطلق يحمل على المقيد.
وروى مسلمٌ في (( صحيحه ) )من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: «لا نذر في معصية الله» .
وروى مسلمٌ في (( صحيحه ) )من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: ... «كفارة النذر كفارة يمين» . هذا عام لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سَمَّاه نذرًا قال: «من نذر أن يطيع الله» . قال ماذا؟ «فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله» . قال: «فلا يعصه» . سَمَّاه نَذْرًا أو لا؟ سماه نذرًا، لو لم ينعقد لم يقل فلا يعصه، لقال: فلا نذر له. أو قال: فلا ينعقد. لكن لَمَّا قال: «فلا يعصه» . يعني لا يفعل المعصية، ثم جاءت الكفارة في موضعٍ آخر.
إذًا الحديث قسَّم لنا النذر إلى نوعين:
- «من نذر أن يطيع الله» . هذا نذر طاعة.
- «ومن نذر أن يعصي الله» . هذا نذر معصية.
إن لم إن عجز عن نذر إطاعة أو مطلقًا في نذر المعصية جاء الحديث هذا حديث عقبة ابن عمر مرفوعًا: «كفارة النذر» . أطلق فهو مفرد دخلت عليه (أل) فيحمل النوعين «كفارة اليمين» .