قال هنا الشيخ: فبالنسبة لنحر الإبل المراد به المعنى الحقيقي، وبالنسبة للمكان المراد به الإباحة، لأنه لا يتعين أن يذبحها في ذلك المكان، يعني إذا على ظاهر ما ذكره هنا (نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة) عندنا أمران: نحر إبلٍ، وخصص المكان.
هل يجب الوفاء بالنحر؟
نعم.
هل يجب أن يكون في نفس المكان المحدد؟
قال الشيخ: لا.
لماذا؟
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استفصل في المكان دون النحر، فبقي النحر على أصله وهو الإيجاب، ولما استفصل في المكان دل على الإباحة، وهذا يحتاج إلى تأمل. [إذ إنه] لأنه لا يتعين أن يذبحها في ذلك المكان، إذ إنه لا يتعين أي مكان في الأرض إلا ما تميز يفضلٍ، والمتميز بفضل المساجد الثلاثة، فالأمر هنا بالنسبة لنحر الإبل من حيث هو نحرٌ واجب، وبالنسبة للمكان فالأمر للإباحة بدليل أنه سأل هذين السؤالين فلو أجيب بنعم لقال: لا:، لا توفي، لكن لقال: لا توفي، لماذا؟ لوجود المانع لأن كل نذرٍ لا نقول: يجب الوفاء به مطلقًا، لا بد من الإستفصال فيه، أولًا: هل هو لله أم لغير الله؟ المنذور به هل هو طاعة أم معصية؟ من حيث هو، ومن حيث المكان؟ إذًا لا بد من استفصال فيه، فهل الإستفصال يدل على عدم الإجابة؟
لا يدل على عدم الإجابة، بدليل أنه سأل هذين السؤالين فلو أجيب بنعم لقال لا توفى، فإذا كان المقام يحتمل النهي أو الترخيص فالأمر للإباحة.
إذًا هذه المسألة مما يُتَأمل ويُنظر فيها، وإن كان الأصل إنها تحمل على الوجوب في النوعين.
(فيه مسائل) يعني: في هذا الباب مسائل.
(الأولى: تفسير قوله: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [سورة التوبة: 108] ) كما مر معنا وجه الشاهد أنه بالقياس.
(الثانية: أن المعصية قد تُؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة) أي: لما قصد المنافقون المعصية في مسجد الضرار، هو مسجد جماد بُنِيَ على هيئة المساجد الشرعية ما الفرق بينه وبين قباء؟ من حيث الظاهر لا فرق، لكن لما كان القصد فاسدًا حينئذٍ هُدِمَ المسجد، له تأثير أم لا؟ له تأثير. أي لما قصد المنافقون المعصيةَ في مسجد الضرار أثر ذلك فيه، فمنع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة فيه، ومسجد قباء لَمَّا كان أهله يحبون أن يتطهروا طاعة لله، أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم فيه، أن المعصية قد تٌؤثر في الأرض كما في مسجد الضرار، وكذلك الطاعة كما في مسجد قباء.
(الثالثة: رد المسألة الْمُشْكِلَة إلى المسألة البيِّنة ليزول الإشكال) يعني [رد المحكم إلى] [1] رد المتشابه إلى المحكم، رد المحتمل إلى الواضح البين، وهذه قاعدة قلنا: انتبهوا لها في باب المعتقد وفي باب الفقه، لأنه تأتيك مسألة واضح بنص لا يحتمل، وتأتيك بعض الأدلة محتملة، لا تقف مع هذه الأدلة المحتملة، تقول: هذا المحتمل يُفسر بهذا النص. تسلم، تسلم من القول على الله بلا علم، تسلم من المجادلة والمناقشة للشرع، فضلًا عن العالم والمفتي، تسلم من كل أمر قد يتعلق في النفس، الواضح البَيّن هو الذي يُستمسك به، والمحتمل ولو كان في باب الفروع يُفهم بهذا الواضح هذا في باب العقيدة وفي باب الفروع، يظن البعض أنها خاصة بالعقائد، وليس كذلك.
(1) سبق.