قال رحمه الله تعالى {وقول الله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [سورة الدهر: 7] } هذه الآية جاءت في مورد مدح الأبرار {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} [الإنسان: 5] فمدحهم الله عز وجل بذلك، فقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} فمدح الله تعالى الذين يتعبدون له بما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات، أليس كذلك؟ {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} هذا مدح، ومدحهم بهذا يقتضي أن فعلهم عبادة، لأننا عندنا قاعدة، كيف نحكم على الشيء في الشرع بأنه عبادة أو لا؟ ينبني عليه هذا أمر مهم جدًا يتقنه طالب العلم، متى نحكم على الشيء بأنه عبادة أو ليس بعبادة؟ ما الذي ينبني عليه؟ ينبني عليه هدم الدين من أصله، لأنه إذا حكمنا على أن هذا القول أو الاعتقاد أو الفعل أنه عبادة فإذا صرفه لغير الله فهو مشرك، هدمنا دينه، حكمنا عليه بماذا؟ بالشرك الأكبر، فإذا التبس على طالب العلم أن يميز بين العبادة وبين غيرها حينئذ ينبني عليه الفرع وهو إخراج من لا يستحق الإخراج من الملة. فهنا مدحهم الله عز وجل، وكل قول أو فعل مدحه الله عز وجل في الكتاب أو في السنة على لسان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو عبادة، وإذا مدح أشخاصًا بوصف خاص كالمتقين والمحسنين والمؤمنين حينئذ الوصف المشتق الذي اشتق منه ذلك الفعل أو الاسم نحكم عليه بأنه عبادة، فكل من أثنى الله عليه، أو كل ما أثنى الله عليه فهو عبادة، وكل ما مدحه الله عز وجل فهو عبادة، وهذا يشمله كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تعريف العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. ولا شك أن ما مدحه الله أحبه، إذ لا يمكن بل يستحيل أن يمدح شيئًا ويبغضه الله تعالى، أليس كذلك؟ فكل ما أحبه الله عز وجل ورضيه وعلامة ذلك أن يأتي الأمر به، إما على جهة الإيجاب وإما على جهة الاستحباب، يعني افعل فيطالب به المكلَّف، أو يُذكر الوصف والقول ويأتي في مساق أو سياق المدح حينئذ نحكم عليه بأنه عبادة. إذًا في هذه الآية حكمنا على الوفاء بالنذر بأنه عبادة لماذا؟ لأن الله تعالى مدح الموفين بالنذر فقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ... [الإنسان: 7] وهذا مدح فيقتضي ماذا؟ أنه عبادة، ولأن الله سبحانه لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب. ابن تيمية رحمه الله تعالى له كلام جميل في مواضع متعددة أن الشرع محصور في أمرين:
-إما أمر إيجاب.
-وإما أمر استحباب. إما هذا أو ذاك، الشرع كله العبادة التي تقرب بها المكلف إلى خالقه جل وعلا، إما أمر إيجاب، وإما أمر استحباب، فلا يخرج عنهما البتة، وترك المحرم كذلك [نعم لا بد من زيادته] لأن ما يفعله المكلف، إما فعل وإما ترك، والغالب إذا أطلقت العبادة انصرف إلى ماذا؟ إلى الفعل، حينئذ إما إيجاب وإما استحباب هذا في مقام الفعل، أو ترك محرم هذا في مقام ما يقابل الفعل وهو الإعدام، وذلك هو العبادة، فمن فعل ذلك لغير الله متقربًا إليه فقد أشرك.