ومطابقة الآية للترجمة إذًا {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} هذا مدح لهم بالوفاء، أي يتممون ما أوجبوا على أنفسهم من الطاعات لله تعالى، فدلت على أن الوفاء بالنذر مشروع، يعني واجب كما سيأتي في النص الآتي. فمطابقة الآية للترجمة أن الله تعالى أثنى عليهم بذلك، وجعلهم من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببًا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة، أن الله تعالى أثنى عليهم بذلك وجعلهم من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببًا يعني موصلًا إلى الجنة إلا إذا كان عبادة، الجنة لا يدخلها من يدخلها إلا برضا الرحمن، ولا يرضى الرحمن إلا عمن عبده على الوجه المشروع، ولا يكون سببًا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك.
{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ذكر هذه الآية المصنف رحمه الله تعالى قال في ... (( القول المفيد ) ): ولو أعقب المؤلف هذه الآية بقوله تعالى {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج: 29] لكان أوضح، لماذا؟ لأنه أمر، والأمر ألصق بالعبادة من المدح، يعني آكد، لأن المدح ممكن أن ينازع فيه، وأما الأمر فلا يمكن أن يُنَازِع فيه مُنَازِع، فلو أورد هذه الآية أو أوردها تابعة للآية السابقة لكان أوضح، لأنه أمر والأمر بوفائه يدل على أنه عبادة، لأن العبادة ما أمر به الشارع، أو ما أُمِرَ به شرعًا.
قال المصنف (وقوله: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} [سورة البقرة: 270] ) ، {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ} ما هذه شرطية، ويحتمل أنها موصولة {أَنفَقْتُم} هذا فعل الشرط {مِّن نَّفَقَةٍ} ، {مِّن} هذه بيانية، بَيَّنَتْ (ما) أو نذرتم هذا معطوف على {أَنفَقْتُم} ، {مِّن نَّذْرٍ} فإن الله .. {مِّن نَّذْرٍ} يتعلق بنذرتم {فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} فإن هذه الفاء واقعة في جواب الشرط، والجملة جواب (ما) ، ما الشرطية لها فعل وجواب، أين فعلها؟ أنفقتم، الجواب {فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} ، {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ} النفقة هي بذل المال في الخير أو في غيره، لأنه أطلق هنا وأراد به الجزاء، والجزاء إنما يتعلق بماذا على الفعل مطلقًا، إن فعلتم طاعة فالثواب، وإن فعلتم معصية فالعقاب هذا المراد به، ولذلك عمم {فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} أراد به المجازاة على الفعل، والنفقة قد تكون طاعة، وقد تكون معصية إذًا من نفقة أراد به النفقة العامة فتشمل حينئذ الطاعة والمعصية، ولذلك نعرفها بأنها بذل المال في الخير أو في غيره، فيشمل كل صدقة مقبولة كانت أو غير مقبولة، يعني الطاعة والمعصية، {أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ} كذلك يشمل النوعين يعني المقبول وغير المقبول {فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} فيجازيكم عليه، ففيه معنى الوعد والوعيد.