إذًا هذه الآية أوردها المصنف لما ذُكِر. أخبر تعالى بأن ما أنفقناه من نفقة أو نذرناه من نذر متقربين بذلك إليه أنه يعلمه، ويجازينا عليه، فدل ذلك على أنه عبادة، هذا وجه الاستدلال، أراد المصنف أن يبين بهذه الآية كالآية السابقة أن النذر عبادة، لأنه إذا ثبت أنه عبادة فحينئذ جاءت القاعدة التي بَوَّبَ لها وهي أنه من الشرك الأكبر لكونه صُرِفَ لغير الله تعالى. فالنذر أولًا يُنظر فيه من جهة نفسه، يعني عندنا أمران: دليل عام، ودليل خاص. كيف نحكم على الشيء بأنه شرك أكبر؟
أولًا: نثبت أنه عبادة، فنحتاج إلى أدلة خاصة أو عامة؟ خاصة لا بد من دليل خاص يدل على ماذا؟
على أنه عبادة، ثم عندنا قواعد عامة مرت معنا في الباب الأول.
والثاني {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} لا إله إلا الله دلت الأدلة لا معبود إلا الله، إذًا أطلق العبادة حينئذ هذه القواعد العامة تدل على ماذا؟ تدل على أن من صرف العبادة لغير الله فقد أشرك الشرك الأكبر، هذه قاعدة عامة وما يتعلق بالنذر أو غيره من العبادات تحتاج إلى قواعد خاصة، فتركب حينئذ القياس إن صح التعبير فنقول: النذر عبادة، وكل من صرف العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك، النتيجة من صرف النذر لغير الله تعالى فقد أشرك، فنحتاج إلى دليلين، دليل تفصيلي، ودليل إجمالي. دليل تفصيلي لإثبات أن هذا الفعل أو هذا القول عبادة أو هذا الاعتقاد عبادة، هذا دليل خاص. ثم الأدلة العامة التي مرت معنا في أوائل الكتاب تدل على أن من صرف العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك، ولذلك مر معنا أن عطف قوله تعالى {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] بعد قوله {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} [النساء: 36] الأمر بالعبادة هنا يدل على ماذا؟ على أن نفي الشرك شرط في صحة العبادة أو لا؟ عدم الشرك شرط في صحة العبادة، ولذلك عطف هذه الجملة على تلك الجملة، فحينئذ {وَاعْبُدُواْ اللهَ} عام هذا، اعبدوا الله بماذا؟ بالصلاة والصيام والزكاة .. إلى آخره، فيشمل كل العبادات ... {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} في أي عبادة من هذه العبادات، حينئذ نحتاج إلى دليل كما ذكرنا. إذًا فدل ذلك على أنه عبادة وبالضروري يعلم كل مسلم أن من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك، يعني الشرك الأكبر.
قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: قوله: {فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} تعليق الشيء بعلم الله تعالى دليل على أنه محل جزاء، يعني {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ} [البقرة: 270] كل منهما قد يكون طاعة وقد يكون غير طاعة. إذًا لَمَّا قال: {فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ} يعني يعلم صنيعكم هذا، فإن كان طاعة أثابكم، وإن كان معصية حينئذ عاقبكم يدل على ماذا؟ على أن النفقة والنذر محل جزاء، فيحتمل الوجهين، كيف يحتمل الوجهين؟ يعني أن يقع طاعة وأن يقع غير طاعة، وكذلك الشأن في النذر.
تعليق الشيء بعلم الله تعالى دليل على أنه محل جزاء إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه. وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يُجازي الإنسان عليها. انتهى كلامه.