قال رحمه الله تعالى: فإن هؤلاء السدنة فيهم شبهٌ من السدنة التي كانت للات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال فيهم إبراهيم الخليل عليه السلام {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] فلا فرق، اختلاف الأشخاص لا يستلزم اختلاف الحكم، بل الحكم هو عينه، حينئذ يكون الحكم معللًا فكلما وجدت العلة حينئذ لزم منه وجود الحكم، إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فمتى ما وُجِدَ الشرك الأكبر حكمت على فاعله بأنه مشرك شركًا أكبر، وكما مر معنا أنه لا عذر بالجهل في هذه المسألة، الحكم هو الحكم، والوصف هو الوصف، والجهل إنما يقال في غير ذلك، والذين اجتاز بهم موسى عليه السلام وقومه. قال تعالى {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] الحال واحد، فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع التي لا فضل في الشريعة للمجاورين فيها نذر معصية، وفيه شَبَهٌ من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد التي في الهند والمجاورين عندها. إذًا لا فرق بين هؤلاء وبينهم، هذا الذي عناه رحمه الله تعالى، لماذا؟ لأن الحكم معلق بأوصاف سواء تعددت الأشخاص أو اختلفت الأزمان فالحكم هو الحكم والشرع هو الشرع والحق هو الحق لا يتبدل ولا يتغير باختلاف الأزمان ولا الأشخاص.
ونقل الشراح عن الشيخ قاسم الحنفي قوله: النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون إنسان غائب أو مريض أو له حاجة فيأتي إلى قبر بعض الصلحاء - قد يكونوا صالحين علماء ونحو ذلك - ويجعل على رأسه سترة - يعني من باب التعظيم وقد يخرج إلى المسجد ليصلي كاشف الرأس لكنه إذا جاء عند القبر ستر رأسه حياءً وتعظيمًا للمقبور - ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي أو قُضيت حاجتي فلك من الذهب كذا - هذا نذرٌ إن فلك، هذا يسمى ماذا؟ يسمى نذرًا معلقًا يعني عَلَّقَه على حاجته، إن فعلتَ فعلتُ، وهذه أفعال الجهلة مع خالقهم جل وعلا إن شفيت مريضي صمتُ، ما شفيت ما أصوم، يعني مقاضاة، إن فعلتُ فعلتَ، وإلا لا أفعل، هذا جهل مركب - فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع والزيت كذا، فهذا النذر باطل لوجوه - يعني كل هذه النذور تعتبر باطلة - لوجوه منها أنه نذر لمخلوق - لأنه قال ماذا؟ خاطب القبر صاحب القبر قال ماذا؟ إن ردّ الله غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي قال: هذا نذر لمخلوق ... [نعم] - أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق - يحتاج المثال إلى تصحيح - ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقاد ذلك كفر .. إلى أن قال: إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها ويُنقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليهم فهذا حرام بإجماع المسلمين.