فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 2014

هنا تحركت الواو، الأصل أنها ما تقلب، لكن العرب ماذا؟ ما قالت: استَعْوَذَ، قالت ماذا؟ استَعَاذَ، استعاذةً، [استعواذًا] ؟ ما قالت: استعواذًا، استعاذة. إذًا نقول: لما قلبت العرب الواو ألفًا علمنا أنهم أكتفوا بجزء العلة، وإما أن يقال: نقلت الحركة باعتبار الأول وباعتبار الآن هذا لا علم، وإن كان هو الشائع عند الصرفيين، يعني قالوا: تحركت الواو ونقلت حركة الواو ِإلى العين من أجل ماذا؟ من أجل أن يجتمع عندنا جزءان حينئذٍ ننظر إلى اسْتَعْوَذَ وَاسْتَعَاذ تحركت العين، قالوا: تحركت الواو باعتبار الأصل قبل النقل، وانفتح ما قبلها باعتبار الآن ووجدت العلة، هذا لعب هذا، وإن كان هذا كثير عند الصرفيين، لكن الصرفيين ليسوا بأنبياء ولا رسل، وإنما هي تحفظ اللغة كما هي الأصل، نقول: عرب نطقت استعاذة فننطق استعاذة، لا إشكال فيه طيب، فقلبت الواو ألفًا ثم اجتمعت مع ألف المصدر اسْتِعْوَاذًا اسْتِعْوَا بعد الواو ألف في المصدر، والواو انقلبت ألفًا، فاجتمع عندنا ألفان، ألف المصدر، وألف التي هي منقلبة عن الواو، أي الألفين حذفت؟

فيه قولان: احذف ما شئت لكن يعوض عن الألف هذه ماذا؟ التاء، يعوض عن الألف هذه التاء، والأَوْلَى القول بأن ألف المصدر هي الباقية لأنها حرف معنى جيء بها للمعنى، وكما نقول هناك تَصَدَّى {فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} [عبس: 6] . أصلها ماذا؟ تَتَصَدَّى هكذا، تقرأ عبس ما تعرف {تَصَدَّى} فعل ماضي ولا مضارع؟ تَتَصَدَّى اجتمعت تاءان، تاء الفعل الأصل والتاء التي هي حرف مضارعة، صار فيه ثِقَل، فحذفت إحدى التاءين، واختلفوا أي التاءين المحذوفة؟

قيل: التاء الأصلية. وقيل: الزائدة. والصواب أن التاء الفعل الأصلية هي التي حذفت، لماذا؟ لأنها حرفٌ مبنى ليست كلمة مستقلة، وتاء الفعل المضارع هذه حرف معنى فهي كلمة مستقلة، وهي دالةٌ على معنى بخلاف الأولى، فما دل على معنى أولى بالبقاء من ما لا يدل على معنى، كذلك ألف المصدر تدل على معنى على كلٍّ اسْتَعْوَذَ اسْتِعَاذَةً، اسْتَعْوَذَ اسْتَعَاذَ اسْتِعَاذَةً اسْتِعْوَاذًا. ثم اجتمعت مع ألف المصدر فحذفت إحداهما وعُوِّضَ عنها التاء فقيل: استعاذة. وهو الذي أراده ابن مالك هناك:

واسْتَعِذِ استعاذةً ثُمَّ أَقِمْ ... إِقَامَةً وغَالِبًا ذَا التَّا لَزِمْ

والاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام والتحرز، وحقيقتها الهرب من شيءٍ تخافه إلى من يعصمك منه، فالعياذ بدفع الشرّ واللياذ لطلب الخير متقابلان ويذكران دائمًا.

يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره

لا يجبر الناس عظمًا أن كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أن جابره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت