والمراد بالكلمات هنا الكلمات الكونية والشرعية، الكلمات الكونية، والكلمات الشرعية القرآن، والكلمات الكونية ما عدا القرآن، فكل منهما داخل في المستعاذ به هنا، وقيل: المراد به القرآن، لكن الظاهر إطلاقه تخصيصه بالقرآن يحتاج إلى نص، يحتاج إلى مقيد إلى مخصص، لكن قال: ( «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» ) . نقول: الكلمات هنا المراد بها الكلمات الكونية والشرعية، فما تكلم الله تعالى به ليس كله القرآن، القرآن من كلام الله، وليس كلام الله كله القرآن، صحيح أو لا؟ هذا وجدت بعض الطلاب يلتبس يتردد في هذا، لا، أما نقول: «ينزل ربنا كل ليلة في الثلث الأخير هل من سائل فاغفر له، هل من تائب» . هل، هَل، هذا قرآن؟ ليس بقرآن، كلام الله؟ كلام الله، إذًا كلام الله أعم من القرآن، صحيح؟ كلام الله أعم من القرآن، والقرآن أخص وهو نوع منه، حينئذٍ ( «بكلمات الله» ) يعم النوعين، فالتخصيص يحتاج إلى دليل، ولا دليل، إن جاء دليل على العين والرأس فلا إشكال فيه. قال هنا: المراد بكلمات هنا الكلمات الكونية والشرعية، وقيل: المراد بها هنا القرآن، ... ( «التامات» ) تمام الكلام يكون بأمرين كما أشار إليه بقوله تعالى: ... {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] . الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، ( «التامات» ) المراد به هذا النوع.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: قيل معناه الكاملات الَّتي لا يلحقها نقص ولا عيب. وهو كذلك، كلام الله تعالى صفةٌ من صفاته، وكل صفة هي صفة كمال، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] وهو كذلك، لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر، وقيل: معناه الشافية الكافية، وقيل: الكلمات هنا هي القرآن، أورد الأول، ثم أورد الثاني بقيل، والأول مقدم، فإن الله تعالى أخبر عنه بأنه هدى وشفاء، يعني من خصص القرآن جعله بهذا النص لكن ليس بوارد هنا يحتاج إلى ربط بين الدليلين، {هُدًى وَشِفَاء} [فصلت:44] لا يمنع أن من كلامه كذلك ما يعتبر شفاء، وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يُدفع به الأذى، يعني: ( «فقال» ) الأمر هنا على جهة الإرشاد، ولما كان ذلك استعاذةً بصفات الله تعالى والتجاءً إليه كان ذلك من باب المندوب إليه المرغب فيه، وعلى هذا فحق المتعوذ بالله تعالى وبأسمائه وصفاته أن يصدق الله في التجائه إليه ليجمع بين الأمرين، لأن الاستعاذة ليست قولًا فحسب، وإنما هي قول بالظاهر وكذلك يصحبها عمل بالقلب، ويتوكل في ذلك عليه، ويحضر ذلك في قلبه، فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه ومغفرة ذنبه. انتهى كلامه، وقال غيره: وقد اتفق العلماء على أن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، واستدلوا بحديث خولة، وقالوا: فيه دليل على أن كلمات الله غير مخلوقة، وردوا به على الجهمية والمعتزلة في قولهم بخلق القرآن، قالوا: فلو كانت كلمات الله مخلوقةً لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة بها، لأن الاستعاذة بالمخلوق شركٌ على التفصيل السابق الذي ذكرناه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وقد نص الأئمة كأحمد أو غيره على أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أنه كلام الله غير مخلوق) .