الاستعاذة بغير الله بالمخلوق لا تجوز، وقال هنا: ( «أعوذ بكلمات الله» ) . صحيح؟ بالإجماع الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، وهنا ماذا؟ استعاذ بماذا؟ ( «بكلمات الله» ) ، إذًا كلمات الله ليست مخلوقة، إذًا كلام الله ليس مخلوقًا، قالوا: لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه استعاذ بكلمات الله، وأمر بذلك، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها شركٌ - كما مرّ معنا في ما جاء في الرقى والتمائم -.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده، وإن لم يُسمَّ ذلك عبادة. يعني: العبرة بماذا؟ بالحقائق والمعاني لا العبرة بالأسماء، سماها عبادة أو لم يسمها عبادة، نقول: هذه عبادة في أصلها فصُرفت لغير الله تعالى، قال: وإن لم يسمِّ ذلك عبادةً ويسميه استخدامًا. وصدق هو استخدامٌ من الشيطان له استخدمه فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليس خدمة عبادة، يعني الشيطان أذكى منه، فإن الشيطان لا يخضع له ويعبده كما يفعل هو به. يعني هو يخدم الشيطان خدمة عبادة، لكن الشيطان يخدمه ماذا؟ ليست خدمة عبادة، قال هنا: ( «فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» ) أي من شر الذي خلق، ماذا صنعنا؟ ( «من شر ما خلق» ) أي من شر الذي خلق، يعني: فسرنا ما هنا موصولة، ويحتمل أنها مصدرية، لكن يتعين كونها موصولة لأنه لا فائدة، يعني: يصح تقول: من شر خلقه. ثم تقول: خلق يأتي بمعنى المصدر، ويأتي بمعنى اسم المفعول، والمراد به اسم المفعول. لكن هذا تطويل لا داعي له، إنما نقول: من شر الذي خلق مباشرةً، يعني: من شر مخلوقاته الذي فيه شر، فما هنا موصولةٌ لا غير، لأنك لو جعلتها مصدرية لأولتها مع ما بعدها بمصدرٍ، وصارت التقدير من شر خلقك، ( «من شر ما خلق» ) يعني من شر خلقك، الخطاب لله عز وجل، فالخلق هنا مصدر يجوز أن يراد به الفعل المعنى المصدري صفة لله عز وجل، ويجوز أن يراد به المفعول لكن حملها على الموصولية يتعين ابتداءً أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق، يعني موصولًا لا غير ليس المانع شرعي، وإنما المانع ماذا؟ المانع من جهة اللغة بدلًا من أن تحمل على المصدرية ثم نرجع إلى المعنى الموصول حينئذٍ ابتداءً نردها إلى الموصولية، وليس المراد بـ (ما) الموصولية هنا العموم الإطلاقي بل التقييد أو التقييدي الوصفي، يعني: التعبير بكونها عامٌ أريد به الخصوص أولى، يعني: ليست عامة من شر الذي خلق، يعني كل ما خلق الله عز وجل يكون فيه شر، ليس هذا المراد، وإنما المراد به نوعٌ خاص إذ ما خلقه الله عز وجل على ثلاثة أنواع:
-منه ما هو شرٌ محض باعتبار ماذا؟ باعتبار ذاته، ولكن باعتبار الحكمة هو خير كما سيأتي.
-ومنه ما هو خيرٌ محض كالأنبياء والجنة والملائكة.
-ومنه ما فيه وفيه كالإنس والجن والحيوان وغيره.