وهنا لم يرد اللفظ بعينه وإنما جاء من جهة ماذا؟ من جهة الاشتقاق، وأكثر ما يقال غياث المستغيثين أي مدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم، الترجمة كسابقها أطلق المصنف هنا رحمه الله تعالى (أن يستغيث بغير الله) ، كل من استغاث بغير الله فهو شرك، شرك أكبر {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15] ، هذا استغاثة أو لا؟ جاءت بلفظها، حينئذٍ يرد الإشكال كما ورد في الباب السابق فنقول: إطلاق الترجمة هنا أو الترجمة هنا ليست على إطلاقها إنما المراد بها نوع معين، استغاثة التي هي الاستغاثة الشركية أن يستغيث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، والترجمة دلت على أن كل استغاثة شرك، وليس على إطلاقه بل يقيد بما لا يقدر عليه المستغاث به، إما لكونه ميتًا أو غائبًا، فالميت حينئذٍ لا يُستغاث به، والغائب كذلك لا يُستغاث به، أو يكون الشيء مما لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى، ويستثنى منه ما ذكرناه سابقًا، فلو استغاث بميت ليدافع عنه أو بغائبٍ مثلًا أو بحي حاضر لينزل المطر فهذا كله يعتبر من الشرك، أو بحي حاضر استغاث به لكن فيما لا يقدر عليه هذا الحيّ الحاضر المخلوق كما لو قال له: أدخلني الجنة. نقول: هذا لا، يعتبر شركًا أكبر. أو قال: أنزل المطر. أو: اغفر لي. نقول: هذا كله يعتبر من ماذا؟ طلب ما لا قدرة للمخلوق عليه البتة، فهذا كله يعتبر من الشرك الأكبر المخرج من الملة، ووجه كما مر في الباب السابق وهو أن هذه الأنواع الثلاثة: الاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة. أنها إذا تعلقت بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى حينئذٍ نقول: هي نوع بل أنواع من أنواع الدعاء، والدعاء باتفاق أنه عبادة، وصرف العبادة لغير الله تعالى يعتبر شركًا أكبر، ولذلك حكم المصنف هنا بكون الاستغاثة بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى يعتبر من الشرك الأكبر لهذا الوجه، ولو استغاث بحيّ حاضر فيما يقدر عليه كان جائزًا أو لا؟ يعتبر جائز، ولذلك قال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} ، {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} فاستغاثه، إذًا اللفظ واحد، لكن المتعلق المستغاث به مختلف {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} يستغاث به البارئ جل وعلا، {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ} استغاث بموسى عليه السلام، حينئذٍ نقول: هذا استغاثة بمخلوق، لكن فيما يقدر عليه، ولذلك كانت جائزة، ولهذا قال ابن قاسم في ... (( حاشيته ) ): والمراد - يعني - من الترجمة أراد أن ينكت على المصنف لكن بأدبٍ، فقال: والمراد - أي - من الترجمة، بيان تحريم الاستغاثة بغير الله، أو دعاء غيره من الأموات والغائبين وأنه من الشرك الأكبر. مراده يعني: مراد المصنف، بيان تحريم الاستغاثة بغير الله، أو دعاء غيره غير الله تعالى، من الأموات والغائبين وأنه من الشرك الأكبر. قوله: تحريم هذا لا ينافي الشرك، إذا قيل هذا الأمر محرم أو أنه من الكبائر أو من أكبر الكبائر هل ينافي كونه شركًا؟ ينافي؟ ينافي أو لا؟ ينافي؟