قال هنا: الفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب الذي حلت به الكربة والشدة كما قال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15] . وقال: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9] يعني من المكروب سواءٌ كان المكروب من المخلوقين باتجاه المخلوق أو من المخلوق باتجاه الخالق جل وعلا، لأنه قلنا: الاستغاثة بحيٍ حاضرٌ جائزة، قد يستغيث به لا بد المعنى يكون موجود وهو إزالة الكربة يعني لو سقط شخصٌ في الماء كاد أن يغرق وقال: يا زيد يا زيد استغاثة؟ استغاثة نعم، جائزة أو لا؟ جائزة نعم، فحينئذٍ كونه يستغيث بهذا المخلوق في شيءٍ يزيل كربته نقول: هذا جائز لأنه حيٌ حاضر وهو إزالة الكربة. إذًا إزالة الكربة وإزالة الشدة هذه المعنى موجود سواءٌ كانت الاستغاثة متعلقة بمخلوق أو بالخالق، لأن المادة استغاثة طلب الغوث يعني: إزالة الشدة سواءٌ استغاث بمخلوقٍ في إزالة شدتك وكربك فيما يقدر عليه ذلك المخلوق وهذا جائز لا إشكال فيه، وكذلك فيما يتعلق بالباري جل وعلا إذًا الاستغاثة مطلقة لا تكون إلا من المكروب سواءً كان المستغيث أو المستغاث به الباري جل وعلا أو المخلوق، والدعاء أعم من الاستغاثة. أعم من الاستغاثة لماذا؟ لأنه يكون من المكروب وغيره يكون في دفع الضر وفي جلب النفع، وهنا حصل تمايز فعلى هذا عطف الدعاء على الاستغاثة في الترجمة من عطف العام على الخاص، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق يعني يحتاج إلى مادتين:
مادة الاجتماع.
ومادة الافتراق.
والذي يفترق هنا الأعم عن الأخص، وأما الأخص لا يفترق على الأعم البتة، حينئذٍ إذا استغاث به في إزالة كربه نقول: هذا استغاثةٌ ودعاء معًا، وإذا دعا ربه قال: ربِّ ارزقني مالًا، حينئذٍ قال: ماذا؟ هذا دعاء ولا يُسمى استغاثة، حينئذٍ انفرد الأعم عن الأخص، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق، فكل استغاثةٍ دعاء وليس كل دعاءٍ استغاثة، والاستغاثة دعاءٌ بإزالة الشدة، والدعاء عامٌ لكونه لجلب منفعةٍ أو لدفع مضرة. قال في (( التيسير ) )في قوله: أو يدعو غيره. المراد بالدعاء هنا هو دعاء المسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإن ذلك شركٌ لما سيذكره المصنف من الآيات، وعَمَّمَ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى قوله: (أو يدعو غيره) . دعاء العبادة أو دعاء المسألة فيما لا يمكن للمسئول إجابته، يعني (أو يدعو غيره) ، ما المراد بالدعاء هنا في (( التيسير ) )جعله دعاء المسألة لكنه يستلزم دعاء العبادة، وعمم الشيخ نوعي الدعوة وهو الأصل فيه حينئذٍ يكون التعميم أولى من التخصيص، والمخصص لا يمنع لماذا؟ لأن دعاء المسألة ودعاء العبادة متلازمان إذا وُجِدَ أحدهما وُجِدَ الآخر، إما بالتضمن وإما بدلالةٍ الالتزام، حينئذٍ الخلاف لفظي. قال الشيخ رحمه الله تعالى: إذ الدعاء نوعان:
الأول: ما يقع عبادةً على وجه التعبد. وهذا صرفه لغير الله شركٌ وهو المقرون بالرهبة والرغبة والحب والتضرع.