-منهم ما هو من لم يصل إلى حد الشرك، لكن هذا لا يكون في المتأخرين إلا قليلٌ جدًا، وأما الذين تعلقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعلقوا بهذه فالأصل أنهم يلحقون بالمشركين الأوائل، بل هم أشد شرك من السابقين، ولا يأتي بالحجة الساذجة هذه هل يعذرون بالجهل أم لا؟ هذا لا يقول به أحدٌ عرف قدر التوحيد البتة، لماذا؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قاتل المشركين على وجود الشرك فحسب، وأبلغهم ما أبلغهم من كتاب الله تعالى وما صدر منه عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} [التوبة: 6] دل هذا النص لمن تأمله أن الباري جل وعلا أطلق عليهم وصف الشرك وحكم الشرك وذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قاتلهم على ذلك دون أن يسمعوا الوحي، يعنى فيه تقديم وتأخير، في ترتيب هنا {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ} إذًا هو لم يسمع قبل ومع ذلك سماه ماذا؟ سماه مشركًا، وهذا واضحٌ بين. قال هنا: ويحتجون وهو حجة أعداء دينه الذين يجوزون الشرك بالله ويحتجون بأشعار هؤلاء ولم يقتصروا أيضًا على طلب ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل يطالبون مثل ذلك من غيره كما حدث أو كما حَدَّثَ بعض الثقات أنه رأى في راية صاحب مشهد من المشاهد: هذه راية البحر التيار به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار. وقال بعضهم في قصيدة في بعض آلهتهم:
يا سيدي ويا صفي الدين يا سندي ... يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري
أنت الملاذ لما أخشى ضرورته ... وأنت لي ملجأٌ من حادث الدهر
إلى أن قال:
وامنن على بتوفيقٍ عافيةٍ ... وخير خاتمةٍ مهما انقضى عمري
وكف عنا أكف الظالمين إذا امـ ... ـتدت بسوءٍ لأمرٍ مؤلم نكري
فإني عبدك الراجي يقول للمقبور
فإني عبدك الراجي بودك ما ... أملته يا صفي السادة الغرر