حينئذٍ يقع الثاني يمكن أن يخاطب باعتبار الثاني دون الأول، فالحكمة من النهي أن يكون غيره متأسيًا به، فإذا كان النهي موجهًا إلى من لا يمكن منه باعتبار حاله فهو إلى من يمكن من بابٍ أولى وأحرى، وعلى ذلك لا يصح التقدير قل كما قاله بعض أهل العلم لأنه خروج عن سياق وظاهر النصوص، كلما جاء {وَلاَ تَكُونَنَّ} إذًا قل يا محمد {وَلاَ تَكُونَنَّ} ، يعني خاطب الناس، ( {وَلاَ تَدْعُ} ) أي قل ( {وَلاَ تَدْعُ} ) ، نقول: ما الذي أحوجنا إلى هذا التقدير؟ هذا لا يصح، وهو تقدير ضعيف، فلا يصح تقدير بعض العلماء، قل ( {وَلاَ تَدْعُ} ) بناء على أنه لا يصح أن يكون الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه يستحيل أن يقع ذلك منه وهذا ضعيف وإخراج للآيات عن ظاهرها وسياقها. قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية يقول تعالى ذكره: {وَلاَ تَدْعُ} يا محمد جعلها خطابًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وابن جرير يأتي بالردود والإيجابيات والقواعد مسلمة، يعني: يأتي به حكاية في كلامه، قال: يقول تعالى ذكره: {وَلاَ تَدْعُ} يا محمد {مِن دُونِ} معبودك وخالقك شيئًا ما، أي شيئًا فسره بماذا؟ {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا} قال: شيئًا، يعني نكرة موصوفة لأن ما هذه في محل نصب مفعول به، {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا} يعني: شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الذي ينفع في الدنيا والآخرة هو الذي يستحق أن يكون معبودًا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد وهو الله جل وعلا، وأما نفع المخلوقين وهذا نفع مزيف نفع ظاهر ليس بحقيقته ورفع وكشف الضر ولو كان فيما يقدرون عليه كذلك ليس حقيقيًّا. قال: لا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا. يعني بذلك الآلهة والأصنام فسر شيئًا بالآلهة والأصنام، يقول: لا تعبدها راجيًا نفعها أو خائفًا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر، فإن فعلت ذلك فدعوتها من دون الله {فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} يكون من المشركين بالله، ففسر الظلم هنا ابن جرير بالظلم الأكبر، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ، وهذا كذلك في خاتمة الآية السابقة التي تسبقها {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، وقال في الآية التالية: {فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} فالشرك والظلم بمعنى واحد.