هنا قال: ( {فَإِنَّكَ إِذًا} ) إذ يعني وقت تلبسك بدعاء غير الله تعالى ( {مِّنَ الظَّالِمِينَ} ) ، أما قبله وبعده إن تاب فلا يوصف بالظلم، و ( {إِذًا} ) أي حال فعلك ( {مِّنَ الظَّالِمِينَ} ) وهو قيدٌ لأن إذًا للظرف الحاضر أي فإنك حال فعله من الظالمين لكن قد تتوب منه فيزول عنك وصف الظلم، والظلم هنا المراد به الشرك الأكبر قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] . وقال: ( {مِّنَ الظَّالِمِينَ} ) . ولم يقل من المشركين لماذا؟ هذا يحتمل أنه من باب التخالف ماذا رؤوس الآي، لأن الآية السابقة {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105] ثم قال: ( {فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} ) بَيَّنَ أن الشرك الذي قال: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، وذكر صورة الشرك ( {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} ) لم يقل من المشركين ليحصل التخالف بين رؤوس الآي. وقال بعضهم: ولم يقل من المشركين لأن كونه شركًا أمرٌ بَيِّن. هذا محتمل أنه بين محتمل أو غير بَيِّن لكن كونه ظالمًا قد لا يكون بَيِّنًا من الآية، ولهذه الآية ( {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} ) لها نظائر يعني في كونها خطابًا ... للنبي - صلى الله عليه وسلم - كقوله تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 213] . هذا إذا حملت هذه الآية بهذه الآية تفسر ماذا؟ أن دعوة غير الله من ما لا ينفع ولا يضر تصيره إِلَهًا هذا هو معنى الألوهية، الذي هو صرف العبادة لغير الله، فكل معبودٍ سوى الباري جل وعلا هو إله، لكنه إله ماذا؟ إلهٌ باطل - ومر معنى هذا في تقرير باب تسهيل التوحيد أن كل ما عبد من دون الله فهو إله، لماذا؟ لأن الإله فعال بمعنى مفعول فهو معبود، وكل من صرف عبادةً لغير الله تعالى فقد اتخذ ذلك المدعو معبودًا من دون الله فيُسمّى إلهً، ولذلك إذا جعلت هذه الآية بإذاء هذه الآية {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ} قال هناك: ( {مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} ) . قال هنا: {إِلَهًا آخَرَ} . قال: {فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} . وقال هناك ( {فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} ) . لأن العذاب مرتب على الظلم وقوله: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [القصص: 88] . إذًا هذه الآيات الثلاث يفسر بعضها بعضًا، فحينئذٍ دعوة غير الله تعالى تصير له إلهً من دون الله تعالى. وفي هذه الآيات بيان أن كل مدعوٍ يكون إلهًا والإلهية حقٌ لله لا يصلح منها شيءٌ لغيره جل وعلا، ولهذا قال: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} . كما قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62] . وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه كما قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] .