ولذلك قال: فبَطَلَ دعاء من سواه ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضَرًّا فضلًا عن غيره، وضدُّ هذا أو هذا الذي ذكرناه ضِدُّ ما عليه عباد القبور فإنهم يعتقدون أن الأولياء والطواغيت ينفعون ويضرون، ويمسون بالضر ويكشفونه، ولذلك ما عبدوها إلا لأجل ذلك، حينئذٍ تحقق الشرك بحذافيره، ومر معنا أن الاستغاثة أو الشرك في الاستغاثة هو أصل شرك العالم، وهو أعلى أنواع الشرك بمعنى أنه كل نوع الشرك قد يدخل تحت هذا النوع لكن هذا الذي وقع فيه كثير من عباد القبور، فإنهم يعتقدون يعني في المقبورين أن الأولياء والطواغيت ينفعون ويضرون وإلا ما توجهوا لها بالعبادة، ولو ادَّعَى بلسانه بمقاله بأنه لم يتوجه إليها لكونها تنفع أو تضر، قل: لا هذا الفعل لا يصدر إلا عن اعتقادٍ، فإذا نفى حينئذٍ تقول: العبرة بفعلك وليس العبرة بالقول، فالفعل مقدم هنا على القول في الدلالة وهو أصرح من القول. قال: ويمسونا بالضر ويكشفونه وأن لهم التصرف المطلق في الملك، وبهذا فاقوا شرك المتقدمين، وهذا فوق شرك كفار العرب القائلين {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] يعني ما ادَّعُوا لهم التصرف المطلق في الكون بخلاف المتأخرين، فإنهم جعلوا لهؤلاء الأولياء ماذا؟ تصرفًا في الكون، يُنْزِلُ المطر ويَبْعَثُ الخيرات ويفعل ما يشاء، ولذلك إذا صرف إليه شيءٌ من العبادة ولم يحصل له قالوا شغل، يعني: بشيء آخر عن تنفيذ من أراده. القائلين {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ، {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ} [يونس: 18] وسيأتي باب خاص بالشفاعة، فإن العرب يدعونهم ليشفعوا لهم واسطة فقط، يعني: يعتقدون أن الخلق والرَّزق بيد الله تعالى، وأن مقاليد الأمور والتصرف والتدبير لهذا الكون بيد الله تعالى، ولكن جعلوا ماذا؟ هذه المعبودات وسائط بينهم وبين الله تعالى قياسًا لملك الملوك على ملوك الأرض بأنهم لا يأخذون حوائجهم إلا بوسائط قالوا كذلك الخالق جل وعلا تعالى الله، فإن العرب يدعونهم ليشفعوا لهم ويقربوهم إلى الله، وأما المتأخرون فاعتقدوا في أهل القبور ما هو أعظم من ذلك وجعلوا لهم نصيبًا من التصرف والتدبير، وجعلوهم معاذًا لهم وملاذًا في الرغبات والرهبات، ولذلك قلت لكم في الدرس الماضي: أنه ينبني النظر هنا في أحوال المتأخرين، يعني: أن تقف على أنواع الشرك التي وقعوا فيها، لأنه لا يمكن إدراك خطر ما هم عليه وتنزيل الحكم الشرعي عليهم إلا بعد تصور المحكوم عليه، وأما هكذا صرفوا العبادة لغير الله ثم تأتي وتبحث المسألة يعذرون أو لا يعذرون هذا غلط، وإنما تنظر في أحوالهم وترى ما قد صرفوا ما جعلوا شيء من العبادات إلا وجعلوها لله تعالى، بل ومر معنا شيءٌ مما يعلق ببعض الأبيات التي في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: ليتهم جعلوه من باب التنزل ليتهم جعلوه في مصاف الألوهية بل جعلوه أعلى من مقام الربوبية والألوهية، وهذا لا يختلف فيه اثنان أنهم كفار مرتدون عن الإسلام وهم مشركون، ولا تأتي المسألة في مثل هذه الأحوال البتة.