أليس كذلك؟ حينئذٍ {كَاشِفَ} لا نافية للجنس فجنس الكشف والرفع والإزالة منفي، وإذا سلط النفي في على الجنس ارتفعت آحاده، أليس كذلك؟ {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} لا نافية للجنس واسمها {كَاشِفَ} وخبرها {لَهُ} وإلا هو بدلٌ، أي لا أحد يكشفه أبدًا إذا مسك الله بضرٍ إلا الله وحده، وهو كذلك، إذا نزل المرض بعبدٍ ما من الذي أصابه الله عز وجل، من الذي يرفعه الله عز وجل، إذًا الذي يجلبه هو الباري جل وعلا والذي يرفعه هو الباري جل وعلا، وهذا كقوله ع: ( «وأعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك» ) فلا نفع من جهة الخلق، ولا ضُرّ من جهة الخلق كذلك، وإذا تيقن هذا المعنى في القلب حينئذٍ المرء لا يلتفت إلى أحدٍ البتة، جاء أو ذهب لا يحزن لا يفرح بقدومه ولا يحزن بذهابه، أليس كذلك؟ لأنه لا يرجو منه شيئًا، وما يكون على يديه فهو من الله تعالى فما كتبه الله تعالى سيصلك شئت أم أبيت، شاء من غضب منك أو لا، أليس كذلك؟ فالنفع بيد الله تعالى والضر بيد الله تعالى، الذي يرفع هو الله عز وجل، والذي يخفض هو الله عز وجل، وأما المخلوق فلا يقدم لنفسه نفعًا ولا ضرًا. قال هنا: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} عَبَّرَ في الخير بالإرادة وفي الضُّرِّ بالمس {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ} ، قال: {وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} عبر بالمس والإرادة، لماذا؟ قال ابن عثيمين: والفرق معنوي وليس من باب تنويع العبارة، وهو - يعني هذا الفرق - أن الأشياء المكروهة لا تُنسب إلى إرادة الله بل تنسب إلى فعله كما مر معنا، «والشر ليس إليك» . يعني: ليس في فعل الله في خلقه شرٌ وإنما في المخلوقات، وما أراده الله تعالى من المخلوقات التي فيها شرٌّ باعتبار المخلوق إنما أراد بها خير، حينئذٍ إذا كان كذلك فلها حكمةٌ فرجعت إلى ماذا؟ إلى الخير، فالله تعالى لا يخلق إلا خيرًا، يعني لا يوصف خلقه إلا بخير، وأما كونه شيء أو بعض المخلوقات فيها شرّ هذا باعتبار ما يترتب عليه باعتبار المخلوقين. قال هنا: وهو أن الأشياء المكرهة لا تنسب إلى إرادة الله جل وعلا، بل تنسب إلى فعله أي مفعوله، فالمس من فعل الله، والضر من مفعولاته، فالله لا يريد الضر لذاته، بل يريده لغيره فإبليس وما يترتب عليه من نفعٍ باعتبار المؤمنين حينئذٍ نقول: هذا فيه خيرٌ باعتبار الناس، ولكن باعتباره هو شرٌّ أم خير؟ شرٌّ. قال: بل يريده لغيره لما يترتب عليه من خيرٍ، ولما وراء ذلك من الحكم البالغة، أما الخير فهو مراد لذاته ومفعول له، ويقرب من هذا قوله في سورة الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدا} [الجن: 10] يعني: أريد جيء بماذا؟ بمغير الصيغة {أُرِيدَ} حُذِفَ الفاعل وهو معلوم، قال: {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ} جاء بالفاعل، فحذف في موضع وذكر في موضع آخر، فإذا أصيب الإنسان بمرضٍ فالله لم يرد به الضرر لذاته، بل أراد المرض، ثم يترتب عليه من الخير ما لا يعلمه إلا الله، بل أراد المرض وهو يضره لكنه لم يرد ضرره، بل أراد خيرًا من وراء ذلك.