قال المصنف رحمه الله تعالى: ( {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ} الآيتين) . والآيتين {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5، 6] وهذه {وَإِذَا حُشِرَ} أرادها المصنف لأنه قال: (الآيتين) يعني أكمل هذه الآية وما بعدها، ولم يعدها كما عد تلك الآية ( {وَإِن يَمْسَسْكَ} ) ، على كلٍّ هذا من باب التصنيف، قال هنا: ( {وَمَنْ أَضَلُّ} ) ، من اسم استفهام مبتدأ ( {أَضَلُّ} ) هذا خبر، ( {وَمَنْ أَضَلُّ} ) من اسم استفهام مبتدأ، وأضل هذا خبره، والاستفهام هنا ليس المراد به حقيقة الاستفهام مما خرج عن أصله وأريد به النفي، الاستفهام قد يؤتى به ويراد به النفي، والاستفهام هنا يراد به النفي، والمراد لا أحد أضل ( {وَمَنْ أَضَلُّ} ) أي لا أحد أضل ففيه عموم كذلك، أي لا أحد أضل، و ( {أَضَلُّ} ) هذا اسم تفضيل، وهو هنا مفرد يحتاج إلى من كما تقول: زَيْدٌ أَعْلَمُ. وتسكت؟ زَيْدٌ أَعْلَمُ مِنْ عَمْروٍ، ولا يجوز حذفه إلا إذا دل دليل عليه، زَيْدٌ أَعْلَمُ مِنْ عَمْرٍو، هنا قال ماذا؟ ( {وَمَنْ أَضَلُّ} ) ، يعني لا أحد أضل من هذا المذكور فيما بعد. قال في (( المفردات ) ): الضلال العدول عن الطريق المستقيم. الضلال ما المراد من أضل كلمة عامة، حينئذٍ نحتاج إلى بيان، ما المراد بالضلال في لسان العرب وفيما استعمله الشارع، أطلقه إطلاقات كثيرة كما سيأتي، فحينئذٍ نحتاج إلى بيان معنى الضلال، قال: الضلال العدول عن الطريق المستقيم هذا جنس قدر مشترك بين كل ما يُطلق عليه أنه ضلال عدول عن الطريق المستقيم، وما جاء به الوحي هو الطريق المستقيم، والخروج عنه كليًّا أو جزئيًّا، عمدًا أو سهوًا يسمى ضلالًا، هذا المراد، فحينئذٍ العدول عن الطريق المستقيم عمدًا أو سهوًا قل أم كثر يسمى ضلالًا، ويضاده ماذا؟ الهداية [أحسنت] ، يضاده الهداية ويقال، قال في (( المفردات ) ): الضلال لكل عدول عن المنهج عمدًا أو سهوًا يسيرًا كان أو كثيرًا. يعني لا قدر له، ولا يتعلق بعمد دون سهو أو سهو دون عمد، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدًا، قال - صلى الله عليه وسلم: «استقيموا ولن تحصوا» . ولذلك صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، كل من أخطأ خطأً ما وإن قل صح أن يُطلق عليه أنه ضل أو أن هذا الذي وقع فيه ضلال، ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد ولا شك، قال تعالى في النبي - صلى الله عليه وسلم: ... {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7] . أطلقه على النبي - صلى الله عليه وسلم - أي غير مهتدٍ، المراد بالضلال هنا أنه ليس على هداية لما سيق إليك من النبوة باعتبار النبوة، وقال في يعقوب: {إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: 95] . {ضَلَالِكَ} ، وقال عن موسى: {وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 20] . تنبيهٌ أن ذلك منه سهو .. إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى.