وقوله: {إِلَى يَومِ} غاية لعدم الاستجابة والآية تعم كل من يُدْعَى من الله تعالى وقوله: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 6] قال الطبري يقول تعالى ذكره: وإذا جمع الناس ليوم القيامة في موقف الحساب كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداءً يعني في الآخرة لأنه يتبرؤون منهم {وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} . يقول تعالى ذكره وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا لعبادتهم جاحدين لأنهم يقولون يوم القيامة ما أمرنا بعبادتنا هكذا ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم يا ربنا. وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: أي: إذا حشر الناس العابدين للأصنام كانت الأصنام لهم أعداءً يتبرأ بعضهم من بعضٍ ويلعن بعضهم بعضًا كما جاء النص بذلك، وقد قيل: إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم بناء على ماذا؟ على أن الأصنام جماد، والجماد لا يتكلم أليس كذلك؟ وإذا كان كذلك فحينئذٍ لا بد من التأويل فيخلط الله تعالى لهم أرواحًا فتتكلم وهذا ليس كذلك، بل الصواب أن ما عُلِّقَ على الجماد فهو على ظاهره فإذا قال الله تعالى تكلمت السماء تكلمت حقيقةً، كيف تكلمت؟ الله أعلم هل يلزم أن يكون بلسان وحنجرة ومخارج حروف؟ لا يلزم، وإنما أخبر الباري بذلك ولم يخبرنا كيف تكلمت {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] {قَالَتَا} قوله هو اللفظ والمعنى تقول النار: «قط قط» . تقول النار؟ نعم تقول النار ولا شك في ذلك، حينئذٍ كل ما أُسند إلى ما يظن الظانّ بأنه جماد لا روح فيه وجاء النص بأنه يقول ويتكلم ونقل الملفوظ أو المقول حينئذٍ وجب التسليم ولا ندعي أنه مجاز لماذا؟ لأن دعوى المجاز حينئذٍ فيه عشر العقل فيما لا يُدركه العقل، أنت لك الظاهر الآن في هذا الجدار لكن ما تدري باطنه، وما يتعلق به من قدرة الله جل وعلا وصنعه ونحو ذلك. إذًا قوله هنا: قيل: المراد إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم. وقيل: المراد أنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال. وهذا فيه نظر، وأما الملائكة والمسيح وعزير والشياطين فإنهم يتبرؤون مِنْ مَنْ عبدهم يوم القيامة كما في قوله: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص: 63] . {وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 6] أي كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم كافرين، أي جاحدين مكذبين. قيل: والضمير في {كَانُوا} للعابدين كما في قوله: {وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] . والأول أولى. انتهى كلامه.
مناسبة الآيتين للباب أن فيهما الحكم على من دعا غير الله تعالى بأنه أضل الضالين {وَمَنْ أَضَلُّ} [الأحقاف: 5] يعني: لا أحد أضل ففيه حكمٌ أو لا؟ فيه حكمٌ، والمراد بالضلال هنا نوعٌ معين وهو الوقوع في الشرك الأكبر لأنه أضل الضالين وأن الدعاء عبادة فمن صرفه لغير الله فهو مشرك، فإذا كان من سِوَى الله لا يستجيب إلى يوم القيامة فيكف يليق بك أن تستغيث به دون الله فبطل تعلق هؤلاء العابدين بمعبوداتهم، ويستفاد كذلك من الآيتين أولًا: أن الدعاء عبادة فمن دعا غير الله فقد أشرك الشرك الأكبر.