قال هنا: واللام في المضطر للجنس لا للاستغراق، فقد لا يجاب دعاء بعض المضطرين لمانع يمنع من ذلك بسبب يُحدثه العبد يحول بينه وبين إجابة دعائه. هذا واضح بين، وإلا فقد ضمن الله سبحانه يتكفل فقد ضمن الله سبحانه إجابة دعاء المضطر إذا دعاه وأخبر بذلك عن نفسه، فإذا تخلف قلنا: هذه (أل) في المضطر للجنس ويكون ثَمَّ مانع قام بالعبد نفسه. قال: والوجه في إجابة دعاء المضطر، ما الوجه؟ قال: والوجه في إجابة دعاء المضطر أن ذلك الاضطرار الحاصل له يتسبب عنه الإخلاص وقطع النظر عما سوى الله، ولذلك حصل للمشركين، الاضطرار سبب ترتب عليه ماذا؟ الإخلاص وقطع النظر، حينئذٍ وُجِدَ ماذا؟ وجدت الإجابة. قال: وقد أخبر سبحانه بأنه يجيب دعاء المخلصين له الدين وإن كانوا كافرين فقال عز وجل: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] . ثم قال: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] . أجابهم؟ أجابهم، فأجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم، ويَفْعَلُ ما يشاء {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] ، إذًا لما كانوا مضطرين حصل عندهم الإخلاص، رجعوا إلى الباري جل وعلا فدعوه فأجابهم إلى ما دعوه، قال: ( {وَيَكْشِفُ السُّوءَ} ) أي الذي يسوء العبد من غير تعيين لأنه أطلقه ( {السُّوءَ} ) فهو عام، وقيل: هو الضر، وقيل: هو الجور، ( {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} ) ، أي يخلف كل قرن منكم القرن الذي قبله بعد انقراضهم، والمعنى يُهلك قرنًا وينشأ آخرين، ( {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} ) الذي يريكم هذه النعم الجسام، ( {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} ) ، أي تذكرًا قليلًا ما تذكرون.
مناسبة الآية للباب أن فيها بطلان الاستغاثة بغير الله، لأنه لا يجيب المضطر ويكشف السوء إلا هو سبحانه وتعالى.
ويستفاد من الآية:
-بطلان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
ثانيًا: أن المشركين مقرون بتوحيد الربوبية ولم يُدْخِلهم ذلك في الإسلام كما مر معنا مفصلًا.
ثالثًا: الاستدلال على توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، وهو من أدلته وسيأتي أبواب خاصة بذلك.
رابعًا: الاحتجاج على المشركين بما أقروا به على ما جحدوه، أقروا بتوحيد الربوبية وجحدوا توحيد الألوهية واستدل بهم بما أقروه به على ما جحدوه.