فهرس الكتاب

الصفحة 693 من 2014

إذًا عندنا إيجاز حذف فقاموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: يا رسول الله إنا نستغيث بك من هذا المنافق فقال عليه الصلاة والسلام ... ( «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله» ) . فيه النص على أنه لا يستغاث بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من دونه، نحمل على عمومه ( «لا يستغاث بي» ) مطلقًا، والظاهر هنا أن مراده - صلى الله عليه وسلم - إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظٍ، لأن استغاثتهم به - صلى الله عليه وسلم - من المنافق من الأمور التي يقدر عليها، وظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه - صلى الله عليه وسلم - لجناب التوحيد وتعظيم الله تبارك وتعالى.

إذًا قوله: ( «إنه لا يستغاث بي» ) ومعلوم أن الصحابي أبا بكرٍ أو غيره لم يستغث بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما لا يقدر عليه إلا الله، إذًا لماذا نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وهنا قول ( «لا يستغاث بي» ) هذا نفيٌ في معنى النهي كأنه قال لا تستغيثوا بي وإنما استغيثوا بالله تعالى. إذًا لماذا نهاهم نقول النفي هو الذي هو بمعنى النهي للقاعدة السابقة التي مرت معنا أنه وإن لم يكن العبد المؤمن الموحد معتقدًا لمدلول لفظٍ يحتمل الحق والباطل فالأصل فيه البعد، مثل ما قلنا: استغيث بالله ثم بك. قلنا: قد يقول: ثم بك لم يرد به المعنى الذي هو معنى باطل إنما أراد به المعنى الجائز، نقول: هذا كذلك الممنوع، لماذا؟ حماية لجناب التوحيد، ولذلك يتأدب مع الباري جل وعلا فلا يؤتى بلفظٍ الأصل فيه أنه مختص بالباري جل وعلا ثم يقرن به، فلا يقولن قائل توكلت على الله ثم عليك هذا فاسد لا يصح هذا يُنهى عنه، ولا يقال استغثت بالله تعالى ثم بك، نقول: هذا ممنوع. بهذا الدليل وإن كان فيه ضعفٌ إلا أنه قد يدل على هذا المعنى الذي أن يكون فيه أن الألفاظ في باب المعتقد يجب صيانتها وحمايتها، حينئذٍ لا تطلق على غير الله تعالى، وخاصة العبادات كالتوكل والرهبة والرغبة ونحو ذلك.

قال في (( الفتح ) ): فكره - صلى الله عليه وسلم -. كره من أين أخذنا كره هو نفيٌ قلنا في معنى النهي، وقد يقول قائل الأصل في النهي التحريم، لماذا قال كره؟ نقول: لأنهم استغاثوا به في ما يقدر فأجابهم، دعوه فدعا لهم واستغاثوا به في بعض المواضع فيما يقدر عليه فأجابهم دل على أن النهي هنا ليس بالتحريم وإنما هو للكراهة. قال في (( الفتح ) ): وكره - صلى الله عليه وسلم - أن يستعمل هذا اللفظ في حقّه وإن كان فيما يقدر عليه في حياته حماية لجناب التوحيد وسدًا لذرائع الشرك، وأدبًا وتواضعًا لربه جل وعلا وتحذيرًا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال. فإذا كان هذا فيما يقدر عليه - صلى الله عليه وسلم - في حياته فكيف يجوز أن يُستغاث به بعد وفاته. إذا قال: «لا يستغاث بي» . فيما يقدر عليه في حياته فكيف بعد وفاته يُستغاث به فيما لا يقدر عليها أصلًا هل هذا محالٌ كما جرى على ألسنة كثير من الشعراء كالبصيري والبرعي وغيرهم من الاستغاثة بمن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا - كما مر معنا -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت