ثالثًا: العقيدة مبناها على البرهان واليقين لا على الظن والتخرس والتقليد الأعمى، لأنها من الواضحات العقيدة أصول معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالبارئ جل وعلا هذه من قبيل المحكم، ليست من قبيل المتشابه، بل ابن القيم رحمه الله تعالى بين أن نصوص الأسماء والصفات ليست من المحكم فحسب، بل هي من أحكم المحكم - انتبه لهذه القاعدة - إذ العقيدة مبناها على أمور واضحة بينة، ولذلك لم يختلف الصحابة في أصول المعتقد البتة، لا فيما يتعلق بذات البارئ جل وعلا ولا فيما يتعلق بأسمائه وصفاته والمسائل التي تعرف في باب العقيدة.
رابعًا: إثبات علم الله تعالى بعواقب الأمور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي(( الصحيح ) )عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: شُجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وكُسِرَتْ رَبَاعِيَتَهُ، فقال: «كيف يُفلح قوم شَجُّوا نبيهم» ؟ فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} ). هذا الحديث الأول الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى.
(وفي(( الصحيح ) ))، أي الصحيحين، لأنه في البخاري ومسلم، علقه البخاري عن حميد وثابت عن أنس، ووصله أحمد والترمذي والنسائي عن حميد عن أنس به، وأوصله مسلم عن ثابت عن أنس، إذًا هو ثابت في الصحيحين، وقال ابن إسحاق في المغازي حدثني حميد الطويل عن أنس قال: كُسِرَتْ رَبَاعِيَة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وشُجَّ في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجه البني - صلى الله عليه وسلم - وهنا مجاز فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم -، جعل يمسح الدم وهو يقول: «كيف يُفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم» . فأنزل الله الآية. قوله: (شُجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -) . قال أبو السعادات: والشج في الرأس خاصة. الشج في الرأس يعني: لا يكون في الوجه، وإنما يكون في الرأس، هذا في الأصل ثم نقل. قال: والشج في الرأس خاصة، خاصةً في الأصل، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. على هذا أنه ما كان الشق في الوجه فهو شَجّ، وما كان في الرأس فهو شَجّ، وما كان في القدم فهو شَجّ، حينئذٍ شُجّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لو لم يأتِ التحديد بالرأس أو الوجه، حينئذٍ يكون من المبهمات إلا إذا جُعِلَ بأن أصل معناه في لغة العرب هو الشجّ في الرأس، وقد قيل بأن الشج إنما يكون في الرأس والوجه خاصة، وما عداه لا يسمى شجًّا، وهذا هو الأظهر، والله أعلم.
وذكر ابن القاسم كذلك وابن عثيمين رحمه الله تعالى أن الشج الجرح في الرأس والوجه على جهة الخصوص، وهو أن يضربه بشيء فيشق جلده، هكذا قال في الحاشية.
وذكر ابن هشام من حديث أبي سعيد أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي - صلى الله عليه وسلم - السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في جبهته، وأن عبد الله بن قَمِيئَة جرحه في وجنته ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وأن مالك بن سنان مص الدم من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ازدرده فقال له: «لن تمسك النار» . وفيه ضعف.