وذُكِرَ فيما روى الطبراني من حديث أبي أمامة قال: رمى عبد الله بن قميئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد فشُجّ في وجهه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكسر رباعيته. فقال: خذها وأنا ابن قَمِيئَة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مالك أقمئك الله» . وسلط الله عليه تيس جبل، تعرف تيس الجبل؟ فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعةً، والله أعلم.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: والرَّباعِيَة بفتح الراء وتخفيف الياء، ... [الرَّباعيّة] لا، رَباعِيَة بفتح الراء وتخفيف الياء، وهي كل سِنٍّ بعد الثنية، سنان متوسطان يسمان ثنايا وما يليهما يسميان رباعيتان.
قال النووي: وللإنسان أربع رباعيات.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: والمراد أنها كسرت فذهب منها فلقةٌ ولم يقلع من أصلها. هذا المراد، يعني أنها شيء منها كسر بعضها ولم تقلع من أصلها، قال في (( التيسير ) ): فظهر بهذا أن قول بعضهم: إنه شُجّ في رأسه. فيه نظر، لأنه جاء في الرواية الثانية في وجهه، هذا بناءً على ماذا؟ على أن الشَّجّ له محل محدد، وإذا قيل في رأسه وقيل في وجهه، حينئذٍ تعارضا، والصواب أنه لا تعارض بينهما، ويمكن الجمع بأن الشَّجّ تكون في الوجه وتكون في الرأس فلا تعارض.
قال النووي: وفي هذا، يعني ما حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - من شجه عليه الصلاة والسلام وكسر رباعيته، في هذا وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء، أليس كذلك؟ يعني: قد يعتري النبي لأنه في الأصل بشر، وإذا كان كذلك يعتريه ما يعتري غيره من البشر، وهو بشر وإن لم يكن كسائر البشر إلا أن الأمور العامة التي تقتضي الإنسانية والبشرية فهذه متحدة بين الأنبياء والرسل وبين غيرهم من سائر الأنبياء والرسل، إذًا وفي هذا وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لينالوا جزيل الأجر والثواب، ولتعرف أمم وغيرهم ما أصابهم فيتأسوا بهم، يعني في الصبر، هذا حصل في مقام الدعوة إلى الله عز وجل {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3] ، فلا بد من ذلك، ليس المراد أنه يشُجّ نفسه، لا.
قال القاضي: وليعلم أنه من البشر. وهذا مغزى المصنف هنا بهذا الحديث، ليُعْلَم أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر، ليتقينوا أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يُفْتَتَنَ أو ولا يُفْتَتَنُ بما ظهر على أيديهم من المعجزات، ويُلَبّس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم، يعني من الغلو والعبادة، فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد الخلق أصيب ولم يدفع الضُّرّ عن نفسه فعن غيره من باب أولى وأحرى، فهذا الحديث يعتبر قاصمة الظهر فيمن تعلق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - تعلق غير شرعي فعبده من دون الله تعالى، فإذا كان شُجّ عليه الصلاة والسلام وكسرت رباعيته فلم يستطع أن يدفع عن نفسه ولا عن أصحابه فعن غيرهم ممن تعلق به من باب أولى وأحرى.