قال ابن عطية: كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لحقه في تلك الحال يأسٌ من فلاح كفار قريش، هو بشر عليه الصلاة والسلام فكأنه لحقه شيءٌ في نفسه إما يقتضي الفطرة والطبيعة كأنه استبعد فلاحهم فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم الله تعالى ويريح منهم فقيل له بسبب ذلك ( {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} ) أي عواقب الأمور بيد الله تعالى فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء لربك. وقال غيره: المعنى أن الله تعالى مالك أمرهم. وهو كذلك، له الملك يشمل المؤمن والكافر، أليس كذلك؟ الكافر هدايته بيد الله تعالى قلبه ملكٌ لله تعالى، الذي يتصرف فيه من الله عز وجل ( {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} ) قال هنا المعنى أن الله تعالى ما لك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يكبتهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا، وليس لك من أمرهم شيء وإنما أنمت عبدٌ مأمورٌ بإنذارهم وجهادهم.
فقال ابن إسحاق: أي: ليس لك من الحكم شيءٌ في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم. دعوتهم فقط، أما الحكم عليهم هذا نقول: لا، لا ليس للبشر البتة، يعني يدخل الجنة ويخرج من النار هذا ليس للبشر البتة، ولا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -؟ ولا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -.
قال هنا: والأمر في الآية المراد به الشأن، أي شأن الخلق ( {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} ) يعني من شأن الخلق، أو من الحكم في العباد كما قال ابن إسحاق هذا وذاك كلاهما معنًى صحيح، فشأن الخلق إلى خالقهم حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس له فيهم شيءٍ، ففي الآية خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع ما وقع به ... من الكفار ما عذره الله تعالى في كلمةٍ واحدة ( «كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم» ) يعني ما عذره الله تعالى في هذه الكلمة قالها فنزلت الآية، وليس ذلك بهوان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - على الله فإنه أكرم خلق الله عليه وأفضلهم على الإطلاق، ولكن ليتبين نزول قدره - صلى الله عليه وسلم - عن مقام الربوبية فإنهما هو عبد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالنظر حينئذٍ يكون في ماذا؟ أنه ليس له من مفردات الربوبية شيءٌ البتة، أليس كذلك؟
مناسبة الحديث للباب أن فيه دليلٌ على بطلان الشرك بالأولياء والصالحين، وهو كذلك لأنه إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدفع عنه نفسه الضر شُجّ وكسرت رباعيته - صلى الله عليه وسلم - ما دفع عنه نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟! إذًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، والذي لا يملك لنفسه دفعًا ولا ضرًا هذا لا يعبد، وليس له من الأمر شيء فغيره من بابٍ أولى.
ما يستفاد من الحديث مما ذكر: بطلان الشرك بالأولياء والصالحين كما سبق.
ثانيًا: وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ثالثًا وجوب إخلاص العبادة لله لأنه هو الذي له الأمر وحده ( {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} ) إذًا لمن الأمر؟ لله.
رابعًا: مشروعية الصبر وتحمل الأذى والضرر في سبيل الدعوة إلى الله. هنا يحصل التأسي.