وحديث أبي هريرة مرفوعًا «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» ، ... «ما من مولود إلا» ما إلاَّ، أعلى صيغ الحصر، إذًا ما من مولود لا يمكن أن يوجد مولود إلا يولد على الفطرة، والفطرة المراد بها الإسلام. «ما من» ، «من» زائدة تأكيد نص في العموم، لأن مولود هذا نكرة في سياق النفي ودخلت عليه من، حينئذٍ تفيد التنصيص على العموم، إذًا لا يمكن أن يخرج فرد من أفراد المولود، «ما يولد مولود إلا يولد الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» . الحديث. ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤا إن شئتم {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] . الحديث يُفسَّر بالآية، فهذه الأدلة تدل على أن الأصل في بني آدم التوحيد ولم يكن الشرك أصلًا، وإنما وقع الشرك بعد فترة من الزمن كما سيأتي في باب الشرك إن شاء الله تعالى، باب الخوف من الشرك. حينئذٍ الكفر طارئ، كل كافر هل كفره أصلي أم طارئ؟ طارئ، هو عند الفقهاء يقسمون الكافر إلى قسمين: كفر أصلي كافر أصلي، وكافر ليس بأصلي. الذي هو المرتد حينئذٍ هل هذا يخالف ما سبق، لو أردنا الحقيقة نقول: نعم يخالف، كيف كافر أصلي والله عز وجل بين لأنه مخالف للنصوص «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» . إذًا ما ولد على الكفر، فكيف يقال بأنه كافر أصلي نقول: المراد به هنا كفر نسبي باعتبار ماذا؟ أصل ولادته نشأته بيئته فنشأ على اليهودية مثلًا نقول: هذا كافر أصلي باعتبار ماذا؟ باعتبار أنه لم يسلم يدخل في الإسلام ثم يخرج، إذ لو كان كذلك فله حكم خاص، يعني من أجل تمييز حكم المرتد عن غيره، لأن حكم المرتد إنما هو خاص بالمسلم الذي دخل في الإسلام ثم خرج منه بأي ناقض من نواقض الإسلام، فحكمه أنه كافر مثل ذاك إلا أنه يتميز في عدم جواز إقراره على ما هو عليه يجب أن يقتل: «من بدل دينه فاقتلوه» . هذا نص واضح بَيّن، فيجب قتله، أَمَّا ذاك الذي نشأ على اليهودية والنصرانية ونحو ذلك فلا يجب قتله، وأما قول الفقهاء كافر أصلي ومرتد فهذا نسبي يعني باعتبار بيئته وما نشأ عليه.
إذًا الحاصل أن الأصل في بني آدم هو الإسلام هو التوحيد، وأما كفره فهو طارئ، سبق معنا أن الكفار مقرون أو المشركون مقرون بتوحيد الربوبية، ثَمّ نصوص للأئمة مثل شيخ الإسلام وابن القيم تبين المراد بإقرار أولئك المشركين بتوحيد الربوبية. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون. والإقرار هذا مراد لشيخ الإسلام لأن لفظ أقر بمعنى أنه نطق ما اعتقد، لا يكون مقرًّا إلا إذا نطق بما اعتقد وهو معنى الشهادة أشهد، لا بد وأنه يُخبر بشيء اعتقده، فإن كان كذلك سميت شهادة وسُمِيَّ إقرارًا، إن انتفى الاعتقاد لا تسمى شهادة، وهذا مر معنا كما في أول سورة المنافقون.
أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون وكانوا يعبدون مع الله غيره ويحبونهم كما يحبونه، فكان ذلك التوحيد الذي هو من توحيد الربوبية حجة عليهم.
إذًا أقر المشركون بتوحيد الربوبية، ومع ذلك كانوا يصرفون العبادة لغير الله جل وعلا منهم من أفرد المعبودات بالعبادة دون الله عز وجل، ومنهم وهم الأكثر من شَرَّكُوا بين الرب جل وعلا وغيره.