قال ابن القيم: والإلهية التي دعت إليها الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركون، فاحتج الله به عليهم فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الألوهية. من اعتقد بتوحيد الربوبية على الوجه الصحيح حينئذٍ يلزمه أن يُقر بتوحيد الألوهية، فإن انتفى الثاني دل على أن ثَمَّ خللًا في الأول، يعني بأنه لم يكن على وجه الكمال والتمام.
قال في (( الدرر السنية ) ): لم يقل أحد من الكفار - هذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - لم يقل أحد من الكفار أن أحدًا يخلق أو يرزق أو يدبر أمرًا، الكفار الذين بُعث فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل أحد منهم: أن ثَمَّ رازقًا مع الله، أو أن ثَمَّ خالقًا مع الله عز وجل، أو أن ثَمَّ مدبرًا مع الله عز وجل، بل يُقرون بهذه الأصول العامة، بل كلهم يُقِرُّون أن الفاعل لذلك هو الله ـ وهم يعرفون الله بذلك، وهذا الإقرار لم يدخلهم في الإسلام، ولا أوجب الكف عن قتالهم وتكفيرهم. يعني الحكم باقٍ فلا يحكم بإسلام البتة حتى يأتوا بلازم ومدلول توحيد الربوبية. وقال في (( الدرر ) )كذلك - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: فأما توحيد الربوبية فهو الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه كما قال الله تعالى فيمن أقر بمسألة منه {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87] . إذًا لا يقع الغلط في توحيد الإلهية إلا لمن لم يُعط توحيد الربوبية حقه، فإن أتى بشيء منه كالإقرار بأصل الوصف الخلق والرزق والتدبير لا على وجه التمام ولم يوجد لازمها فحينئذٍ يكون خللًا في الإقرار بالتوحيد.