ثم قال: (وفيه) . هذا الحديث الثالث (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أُنزل عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، فقال: «يا معشر قريش» . أو كلمة نحوها «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا» ) . هذا حديث واضح بَيِّن وهو حجة دامغة على عُبَّاد القبور، (وفيه) أي في صحيح البخاري، وكذلك رواه مسلم بناءً على أن المصنف قد يختصر، يعني يكتفي إذا ورد في البخاري وهو ثابت يكفي لا يحتاج أن يقال: يعترض على المصنف وبقي عليه مسلم .. إلى آخر ما سيذكره بعض الناس. نقول: لا، ما دام أن الغرض هنا إثبات الحكم الشرعي وهو صالح أن يثبت بدليل واحد ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذًا تكاثر الأدلة ليس بلازم، كل حكم شرعي يكفيه حديث واحد نص واحد آية واحدة، لو لم يأتِ على إثبات التوحيد إلا آية واحدة لكفى، لو لم يأتِ في تحريم الشرك إلا آية واحدة لكفى، لا نحتاج إلى التعدد، ونقول: تكاثر الأدلة يستلزم ذلك، بل الصواب أنه متى ما ثبت حينئذٍ وجب العمل به، وله طرق كثيرة في الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها، (عن أبي هريرة) واسمه عبد الرحمن بن صخر قال النووي: على الأصح من ثلاثين قولًا. وهذا من الغرائب صحابي جليل كأبي هريرة يُختلف في اسمه على ثلاثين قولًا، لكن هكذا شأن الخلق، روى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمسٍ بن صخر، فَسُمِّيتُ في الإسلام عبد الرحمن. كُنِّي بـ هريرة تصغير هرة كانت له في صغره هُرَيْرَة فُعَيْلَة، وهو أول من كُنِّيَ بهذا، وهو الدوسي من فضلاء الصحابة وحفظاهم وعلمائهم، لم يحفظ عن رسول الله عن أحدٌ منهم أكثر منه، مات سنة سبعٍ وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين. وقيل: تسع وخمسين. وله ثمانٌ وسبعون سنة، قال: (قام) فينا (رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أي خطيبًا، إذا قيل: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يعني خطيبًا، هذا الأصل فيه هذا مرادهم، قام فينا أي خطيبًا، قد يكون على المنبر وقد لا يكون لا يلزم، الْخِطَابة لا يلزم أن تكون على منبرٍ، بل متى ما قام فخطب في الناس، يقال: قام فينا. إذًا قوله: (قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) . ماذا؟ أي خطيبًا، وفي الصحيح من رواية ابن عباس صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصفا، وهو الجبل المعروف أسفل جبل أبي قُبَيْس، فقال: «يا صباحاه» . حتى اجتمع عليه ما بين أخشبي مكة، ولمسلم فهتف: «يا صباحاه» . فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ فقالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بِسَفْحِ هذا الجبل أكنتم مصدقي» ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» . وفي رواية: «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله» . يعني يحذرهم، «فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه» . قوله: (حين أنزل عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ) .