إذًا ( {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ) نقول: الْقُرب والْقَرَابة ليست على مرتبة واحدة، أو لا؟ فكلما كان الوصف متحقِّقًا في شخصٍ ما وكان أقرب كان الحكم المعلق عليه أقوى، إذًا نِذارة الأولاد آكد من نذارة الآباء، ونِذارة الآباء آكد من نذارة الإخوان، ونِذارة الإخوان - يعني الإخوان الأشقة ونحوهم - آكد من نِذارة ماذا؟ الأعمام .. وهكذا، إذًا كلما كان أقرب كان ماذا؟ كان الحكم آكد، وقوله: (حين أنزل عليه) . يدل على أنه لم يتأخر بل قام بعد النزول مباشرةً، ( «يا معشر قريش» ) معشر كمسكن الجماعة الذين أمرهم واحد، ويتناول الأنبياء والإنس والجن، جمعه معاشر، معشر معاشر، قال: (أو كَلِمةً نحوها) . (كلمةً) بالنصب، (نحوها) ، بنصب كلمة، عطف على ما قبلها، أي: أو قال كلمةً نحو قوله: ( «يا معشر قريش» ) . يعني شك الراوي، أي بمعناها، وهو شك من الراوي، هل قال: ( «يا معشر قريش» ) . أو قال ما يقارب ذلك المعنى، خاطب العامة أولًا بأن قال: يا جماعة قريش. ثم خَصَّصَ، لأنه قال: ( «يا معشر قريش» ) . ثم قال: ( «يا عباس» ) . إذًا عَمَّ ثم خَصَّ، يا جماعة قريش، هذا ( «يا معشر قريش» ) ، وقريش هو فِهْر بن النضر بن مالك أحد أجداد النبي - صلى الله عليه وسلم -، قوله: ( «اشتروا أنفسكم» ) . وفي رواية: «انقذوا أنفسكم من النار» . وعند الطبراني عن أبي أمامة «اشتروا أنفسكم من النار واسعوا في فِكَاكِهَا» . أي خلصوها بتوحيد الله والإيمان به وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإتباعي فيما جئتكم به مما أنزل الله عليّ من التوحيد توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، وترك ما كنتم تعبدونه من دون الله من الأوثان والأصنام، فإن ذلك هو الذي يُنجيكم من عذاب الله، لا الاعتماد على الأحساب والأنساب، فإن ذلك غير نافع لكم عند رب الأرباب. إذًا أراد به ماذا؟ قال هنا: ( «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم» ) . يعني اشتروا أنفسكم كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 111] . حينئذٍ بمعنى أنهم بذلوا أنفسهم راغبين فيما عند الله تعالى، فـ ( «اشتروا أنفسكم» ) يعني خلِّصوها من النار راغبين، وهذا فيه معنى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ( «اشتروا أنفسكم» ) ، وفي قوله: ( «اشتروا» ) من الحضِّ على هذا الأمر ما هو ظاهر لأن المشتري يكون راغبًا كأنه قال: اشتروا أنفسكم راغبين. قوله: ( «لا أُغْنِي عنكم من الله شيئًا» ) . ( «شيئًا» ) نكرة في سياق النفي، أي لا أنفعكم بدفع شيء عنكم من دون الله، ولا أمنعكم من شيء أراده الله لكم، إذًا لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة، دفع به ما عساه أن يتوهمه بعضهم أنه يُغني عنهم من الله شيئًا بشفاعته، وقريب من النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يتوهم المرء لضعفه أنه قد ينتفع بالحسب والنسب، فَبَيَّنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك لا ينفعه البتة، ولذلك عَمَّ ثم خَصَّ، خَصَّ العباس وفاطمة كما سيأتي.