قال هنا: دفع به ما عساه أن يتوهمه بعضهم أنه يُغْنِي عنهم من الله شيئًا بشفاعته، فإذا كان لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا يدفع عن نفسه عذاب ربه لو عصاه، كما قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . فكيف يملك لغيره نفعًا أو ضرًّا؟ أو يدفع عنه عذاب الله؟ هذا جاء التنصيص أولًا بأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضَرًّا {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الجن: 21، 22] وغير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، وأما شفاعته - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأوساط فهذا أمر من الله ابتداءً ليس من شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتداءً، يعني لا بد أن يأذن الله تعالى له، وأما أن يكون ابتداءً فهذا ممتنع، إذًا لا يرد بأنه قد ينفع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفاعة كما هو معلوم في موضعه، نقول: نعم هو نفع لكن ليس استقلالًا، وإذا لم يكن الشيء استقلالًا كان تابعًا لإذن الله الباري جل وعلا وحينئذٍ لا مزية للنبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الحيثية، إذًا فهو أمر من الله ابتداءً فضلًا عليه وعليهم لا أنه يشفع فيمن يشاء، ويُدخل الجنة من يشاء. وعند البخاري بعد قوله: ( «لا أغني عنكم من الله شيئًا» ) ، «يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا» . لعل المصنف اختصرها، قوله: ( «يا عباس بن عبد المطلب» ) . هو عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجوز في عباس الضم والنصب كما هو معروف في محله، وابن هنا ابن عبد المطلب بالنصب، يعني: يتعين فيه النصب لأنه مضاف، ( «يا عباسُ» ) ، ( «يا عباسَ» ) ابنَ بالنصب لا غير، ولا يجوز فيه إلا النصب لأنه مضاف، وكذا القول في قوله: ( «يا صفيةُ عمةَ رسول الله» ) . ( «ويا فاطمةُ بنتَ محمد» ) .. إلى آخره - صلى الله عليه وسلم -، وعبد المطلب ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرًا عن أمر واقع لا إقرارًا له ... #57.20 لأنه تعبيد لغير الله بل هو خبر، ولهذا انتمى إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» . من باب ماذا؟ الإخبار لا من باب الإنشاء، ففرق بينهما، .. إلى أن قال: ( «ويا فاطمة» ) . قال هنا: ( «يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفيةُ عمةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا» ) . ( «سليني من مالي ما شئت» ) ، أي اطلبي من مالي ما شئت، لماذا؟ لأنه يملك المال، أما الجنة فلا، أما عدم دخول النار فلا، أما الشفاعة فلا، أما المغفرة فلا، أما المال الذي يكون في حوزته في الدنيا فنعم، إذًا ( «سليني من مالي» ) أضاف المال إلى نفسه، وأما الجنة فليست له، جنتي مغفرتي رحمتي لا، هذه لا تُطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - ( {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} ) أي اطلبي من مالي ما شئت لأنه يملكه فلن يمنعها، وأما حق الله تعالى فقال: ( «لا أغني عنك من الله شيئًا» ) .