أي لا أنفعك بشيء دون الله، ولا أمنعك من شيء أراده الله لك، وهذا التسليم المطلق للباري جل وعلا. وفي رواية مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لَمَّا نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قام رسول الله فقال: «يا فاطمةُ بنتَ محمد، يا صفيةُ بنتَ بن عبد المطلب، يا بني عبد المطلب سلوني من مالي ما شئتم» . يعني: هذه الجملة لم يقلها من شأن فاطمة فحسب، وإنما قالها فيمن سبق، ولذلك إذا قيل: لماذا قال في شأن فاطمة؟ قد تكون لأنها ابنته عليه الصلاة والسلام، لكن جاء في رواية أخرى أن هذه الجملة لم تَخُصْ فاطمة دون غيرها، ولذلك قال: «يا صفيةُ بنتَ بن عبد المطلب، يا بني عبد المطلب» . هذا عام، «سلوني» يعني الجميع «من مالي ما شئتم» . فيعطيهم عليه الصلاة والسلام لأنه في قدرته وفي حوزته وهو مما يقدر عليه، أما ما لا يقدر عليه هذا لا يُطلب إلا من الباري جل وعلا، فَبَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يُنجيهم من عذاب الله ولا يُدخلهم الجنة ولا يقربهم إلى الله، وإنما الذي يُقرب إلى الله، ويُدخل الجنة، ويُنجي من النار، هو طاعة الله، أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يملك شيئًا من ذلك البتة، وأما ما يقدر عليه - صلى الله عليه وسلم - من أمور الدنيا فلا يبخل بها عنهم كما قال: «سلوني» . للجميع «سلوني من مالي ما شئتم» فإذا صَرَّح وهو سيد المرسلين لأقاربه المؤمنين وغيرهم خصوصًا سيدة نساء العالمين، وعمه، وعمته، وآمن الإنسان يعني المسلم آمن، أنه لا يقول إلا الحق. يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: «يا عباس لا أغني عنك من الله شيئا» . النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول غير الحق؟ لا، إذًا أخبر بذلك فوجب التصديق به فيما يتعلق بهذا المعنى، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر إلى ما وقع في قلوب كثيرٍ من الناس من الاعتقاد فيه، وفيه غيره من الأنبياء والصالحين، لأنها حجة هؤلاء العباد عُبَّاد القبور إنما هي كون هذا الميت ينفع ويَضُرُّ، هذه الحجة، حينئذٍ الباب هذا، والباب السابق والكتاب من أوله إلى آخره يبين ماذا؟ أن هؤلاء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضَرًّا، إذًا يتعلق بماذا؟ بسرابٍ يتعلق بسراب. ثم نظر إلى ما وقع في قلوب كثيرٍ من الناس من الاعتقاد فيه عليه الصلاة والسلام، وفي غيره من الأنبياء والصالحين أنهم ينفعون ويضرون ويُغنون من عذاب الله. حتى قال صاحب البردة في البيت المشهور:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم