وهذا يُعتبر فيه شيء من جهة المصنف، لأن الباري جل وعلا نهى يعني ( {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} ) ، هذا فيه متضمن للنهي لا تدعو عليهم، لكن الدعاء هنا دعاء معين، ولذلك قلنا: اللعن دعاء معين بصيغة اللعن التي تقتضي الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، هذا الذي نُهِيَ عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا كان كذلك حينئذٍ لا نأخذ الجواز لأن معين الكافر في الدعاء نقول: لا يقتضيه النص بل العكس دل، بل العكس، ولذلك قال الشيخ ابن عثيمين: يعني وقع ثم نُهِيَ عنه. لعل هذا مراد المصنف رحمه الله، وإن أراد أنه يستفاد منه جواز لعن المعين في القنوت أبدًا ففيه نظر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نُهِيَ عن ذلك، والذي نُهِيَ عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو لعن الكفار في الدعاء على وجه التعيين، أما على جهة العموم اللهم العن الكفار لا بأس به، اللهم العن اليهود والنصارى لا بأس به، أما لعنهم عمومًا فلا بأس به، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يَقْنُتُ ويلعن الكفار عمومًا، أما التعيين فلا، إذًا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقنت ويلعن الكفار عمومًا، ولا بأس بالدعاء على الكفار دون لعن، يعني فرق بين دعاء مع لعن، أو دعاء مطلق بدون لعن، اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر تسمه ما فيه بأس، يجوز؟ نعم يجوز ولو سميته، لا نستدل بهذا النص بأنه نُهِيَ، لا، نقول النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «اللهم العن» ) ، وهذا طرد كأن فيه شيئًا من التدخل فيما يتعلق برحمة الله تعالى، من الذي يطرده ومن الذي لا يطرده، لكن أما الدعاء مجرد الدعاء فهو سؤال وهذا لا بأس به، ولا بأس بالدعاء على الكافر دون لعن كقولك: اللهم كف شره عن المسلمين ونحو ذلك. وهذا جائز، أما الدعاء بالهلاك لعموم الكفار فالصحيح جوازه كذلك، ولا مانع منه لأنه دعاء، يعني لا يقتضي أن يقال بأنه إذا هل الداعي استجيب له مضمون الإجابة؟ لا، أنت مكلف من جهة ماذا؟ من جهة بغضهم، وأن يكون القلب يتمنى أو يرجو عدم وجودهم على الأرض هذا الأصل في المسلم، فإذا دعا عليهم على جهة العموم لا إشكال فيه، أما كونهم سيبقون في آخر الزمان وتكون المعركة بين اليهود والمسلمين، نقول: هذا لا منافاة بين هذا وذاك، لكن المسلم مكلف أن يأتي بما شُرِعَ له، وقد شُرِعَ له أن يدعو عليهم على جهة العموم، وهذا لا يستلزم أن يكون ثَمَّ إجابة، فيُمْحَى اليهود من على وجه الأرض، ثم يبقى من الذي تكون معه المعركة، بعضهم فَهِمَ هكذا، ... #1.15.18، هذا فاسد لا شك فيه، ولهذا دعا عليهم خُبَيْبُ حين قال: اللهم أحصهم عددًا، ولا تبقي منهم أحدًا. فدل على جوازه ووقع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا إقرار منه، ولعموم الأدلة كذلك، عموم الأدلة.
(الحادية عشرة: قصته - صلى الله عليه وسلم - لما أُنزل عليه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ) .