فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 2014

إذًا لم يقولوا ماذا خلق ربكم؟ ولو كان كلام الله تعالى مخلوقًا لقالوا ماذا خلق؟ {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} ، {قَالُوا الْحَقَّ} يعني قالوا: قال الله القول الحق، فـ {الْحَقَّ} هذا صفةٌ لمصدرٍ محذوف مع عامله، أصل التركيب {قَالُوا} هذا مسند إلى الملائكة الواو هنا ترجع إلى الملائكة، قال الله القول {الْحَقَّ} ، {قَالُوا الْحَقَّ} ما الذي حُذِف؟ حُذِف العامل قال الله مع فاعله وحذف الموصوف الذي هو المصدر، هذا إيجازٌ بالحذف. قال هنا: {قَالُوا الْحَقَّ} أي قال الله القول {الْحَقَّ} وذلك لأنهم وصفوا هنا القول بكونه حقًّا لأنهم إذا سمعوا كلام الباري جل وعلا كما سيأتي في الحديث، وصعقوا ثم أفاقوا أخذوا يتساءلون فيقولون: ... {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} فيقولون: قال الحق. والحق صفةٌ لمصدرٍ محذوف مع عامله وتقديره كما سبق، قال الله القول الحق، وقالوا ذلك هل قوله الحق هنا صفةٌ كاشفة أو لبيان الواقع أو هي هِي؟ لبيان الواقع هي الصفة الكاشفة. طيب هل هي للاحتراز أم أنها صفةٌ كاشفة لبيان الواقع؟ الثاني - انتبه - لأنه إذا قلت: للاحتراز معناه أن القول يتعدد منه حقٌ ومنه ما ليس بحق، والله تعالى لا يقول إلا الحق، إذًا صارت هذه الصفة ماذا؟ لبيان الواقع كاشفة، وهذا يكون من قبيل الثناء، لأنه يرد السؤال إذا كان قوله ويعلمون الملائكة، تعلمه الملائكة أنه لا يقول: إلا الحق {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا} [النساء: 122] . يرد السؤال لماذا؟ وصفوه بكونه حقًّا؟ من باب الثناء، لأن الإطراء في ذكر الصفات المحمودة يعتبر ثناءً. إذًا قالوا: ذلك لأن الله سبحانه هو الحق، ولا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا الحق، ولا يصدر عنه إلا الحق، ومن أسمائه الحق. حينئذٍ كل ما كان - كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: كل حقٍ في الوجود فهو أثرٌ من آثار اسمه الحق، كل حقٍّ في الوجود في السماوات وفي الأرض فهو أثرٌ من آثار اسمه الحق، ولذلك يعلل أن الحكمة ضالة المؤمن، وإن جاءت على لسان الكافر، وجب شرعًا يجب قبوله ولو قال به كافر، يعلل ذلك ابن القيم لماذا؟ لأن هذا الحق الذي جرى على لسان الكافر هو أثرٌ من آثار اسم الله تعالى الحق فلا يجوز رده البتة - انتبه -. إذا رجحت قولًا فلا ترد المقابل كأنه ليس بشيء من كل وجه، حينئذٍ [كل أثرٍ] كل حقٍ في الوجود سواءٌ كان في السماوات أو في الأراضين، سواءٌ جرى على لسان كافر أو منافق أو فاسق أو مؤمن أو عالم أو جاهل كل حقٍّ اعتقدت أنه الحقّ فحينئذٍ لا يجوز رده بل يجب قبوله لأنه أثر من آثار اسم الله تعالى الحقّ. ولذلك نثبت اسم الباري جل وعلا الحقّ، ونثبت المعنى، ونثبت الأثر الذي تعلق به، أليست أسماء الباري جل وعلا متعدّية المعاني لها آثارٌ في الوجود، أليس كذلك؟ بلى، حينئذٍ من هذه الأسماء الحقّ، أن له أثرًا في الوجود فما من حقٍّ إلا وهو أثرٌ من آثار هذا الاسم فوجب قبوله. والوصف هنا إذًا {قَالُوا الْحَقَّ} لا يقول إلا الحقّ، ولا يفعل إلا الحقّ، ولا يصدر عنه إلا الحقّ، ومن أسمائه الحقّ، والحقّ في الكلام هو الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت